الجمعة 17 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10815

الجمعة 17 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10815

اعترافات سجينة عاطفية

هناك مرحلة خطرة في حياة كل منا، ما يترسخ فيها يظل للأبد هو القانون والناموس اللذان يسريان على حياتنا وذوقنا ومعاملاتنا وميولنا، انتبهوا لها.

العرب لمياء المقدم [نُشر في 2016/11/03، العدد: 10444، ص(21)]

من أشهر وأغرب القصص التي حصلت في هولندا في السنوات الأخيرة، قصة فتاة أصدرت كتابا بعنوان “الرجال الحقيقيون لا يأكلون الأجبان”، حظي بشهرة واسعة وبيعت منه ملايين النسخ وطبعت منه عدة طبعات. في الكتاب روت الفتاة الصغيرة ذات الستة عشر عاما تفاصيل سقوطها في يد شخص يكبرها بسنوات قليلة، قادها إلى عالم الدعارة والمخدرات والجريمة، وتحكي كيف حملها حبها لهذا الشخص إلى الطاعة العمياء لما يطلبه منها وتنفيذ جميع رغباته التي وصلت إلى حد بيعها إلى راغبي المتعة وجني المال من وراء جسدها.

تقول الفتاة إن أول ما يفعله الرجل المحب أو “اللافر بوي” هو إيقاع ضحيته في حبه، وإخضاعها لسيطرته حتى تنفذ ما يطلبه منها، وهو يصل إلى ذلك عبر اتباع أسلوب المراوحة بين الشدّة واللين، فهو من جهة عنيف وآمر، ومن جهة أخرى الشخص الوحيد القادر على مساعدتها وحمايتها واستيعابها.

في هذه القصة الشهيرة روت الفتاة أن الشاب عمد إلى إدخالها إلى عالم المخدرات، الذي بدأ بأنواع خفيفة ثم تطور مع الوقت إلى المخدرات الصلبة، وكان يعنفها إذا رفضت الاستجابة لمطالبه ويكافئها إذا استجابت بمنحها الحب والرعاية وقضاء أوقات ممتعة معها في التنزه أو في أحد المطاعم. ووصفت دقة العمل الذي يقوم به “اللافر-بوي”، ونظامه الداخلي الصارم، فهو يحتفظ بملف كامل عنها، ما تحب وما تكره، التواريخ المهمة لها ولأفراد عائلتها المقربين، الصفات التي تميزها، ومع الوقت أصبح يوكل إليها مهام الاتصال بأفراد آخرين ويكلفها بأعمال التواصل وترتيب لقاءات ومشاورات مع عصابات وتجار مخدرات وغيرها من المهام، كنوع من الثقة، ويكرر على مسمعها باستمرار أنها ذكية ويوما ما ستحل محله وتصبح قادرة على إدارة تنظيم بأكمله.

تصف الفتاة صعوبة الخروج من هذه الدوامة لكل من قادتها قدماها إليها قائلة: تتحول حياتك إلى نوع من الإدمان، حتى الضرب يصبح مألوفا، بل ومطلوبا أحيانا، طالما أن الشخص الذي تدمن حبه معك، وأشد العقوبات قسوة هي أن يحرمك منه أو من رؤيته أو يتركك لأخرى على مرأى ومسمع منك.

استطاعت كاتبة “الرجال الحقيقيون لا يأكلون الأجبان” أن تنجو من جلادها، بعد أن تعرضت للكثير من حالات الاغتصاب الجماعي والتنكيل والمآسي التي لا حصر لها، بتدخل من أمها التي تفطنت أخيرا إلى الحياة السرية للفتاة الصغيرة، واستعانت بجهات ومؤسسات مختصة لإنقاذها من يدي سجانها العاطفي.

بعد صدور الكتاب، تلقت الفتاة دعوات من أشهر البرامج التلفزيونية وكررت على مرأى ومسمع من ملايين المشاهدين الأحداث والأسماء والتواريخ التي وردت في كتابها بدقة بالغة، واصفة مشاهد الاعتداءات والاغتصابات وتفاصيلها وتفاصيل الحوارات التي دارت بينها وبين من التقتهم خلال هذه الفترة التي امتدت على مدى أربع سنوات.

“الرجال الحقيقيون لا يأكلون الأجبان” هي العبارة التي كان صديقها ومشغلها ذو الأصول الأفريقية يكررها على مسمعها، في إشارة إلى أن الهولنديين ليسوا رجالا حقيقيين، ولا يجب أن تلتفت إليهم، وأن الرجل الحقيقي هو الذي يتصف بصفاته. في أحد لقاءاتها قالت الفتاة إنها حتى بعد أن تخلصت من هذا الرجل، لا تزال بشكل أو بآخر مقتنعة بما قاله، وتبحث بشكل غير واع عمن يشبهونه، وأنها رغم تأكّدها من أنه لم يكن شخصا جيدا، إلا أن حنينا ما ترسخ لديها للأبد إلى “الأشخاص غير الجيدين”.

هناك مرحلة خطرة في حياة كل منا، ما يترسخ فيها يظل للأبد هو القانون والناموس اللذان يسريان على حياتنا وذوقنا ومعاملاتنا وميولنا، انتبهوا لها.

كاتبة من تونس مقيمة بهولندا

لمياء المقدم

:: مقالات أخرى لـ لمياء المقدم

لمياء المقدم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر