الاثنين 20 فبراير/شباط 2017، العدد: 10549

الاثنين 20 فبراير/شباط 2017، العدد: 10549

ماذا يعني أن تكون نفسك

أنت لست مطالبا بأن تكون شخصا بعينه، لكنك في المقابل مطالب وبقوة بأن تفعل ما يدل عليك.

العرب لمياء المقدم [نُشر في 2016/11/10، العدد: 10451، ص(21)]

من النصائح الشائعة التي تتردد كثيرا على مسامعنا ممن يدعون فهم الحياة وعمق التجربة، قولهم إننا لا يجب أن نغير أنفسنا، وأن نقبلها كما هي دون محاولات شاقة ومؤلمة لتغيير ما لا يتغير. أنا نفسي اعتقدت طويلا أن هذه الجملة البسيطة هي مفتاح السعادة. وبالطبع، إذا كنا غير مطالبين بتغيير أنفسنا، فالأولى أيضا ألا نحاول تغيير الآخرين.

لكن النصيحة التي بدت لي دوما أثمن ما أملك، وحرصت على أن أطبقها على نفسي وعلى من هم حولي تحولت في النهاية إلى عائق وكابوس، والحقيقة أننا نصطدم في الواقع بمواقف وحالات تضع الحكمة الثمينة محل ريبة وشك، فنبدأ ساعتها في التساؤل: إذا كان يجب أن نقبل أنفسنا كما نحن، فما الداعي إلى قراءة تجارب الآخرين والاتعاظ بها؟ ما الداعي إلى هذا المقال مثلا؟ ولماذا نرغب أن نعرف كيف تعامل الآخرون مع الحياة؟ فأنت من أنت، وهذا كل شيء. ثم إن هناك أمرا آخر في غاية التعقيد، وهو تحديد من أنت، لتعرف كيف تكونها.

أذكر مقابلة تلفزيونية لإحدى الكاتبات الشهيرات في هولندا، التي استوحت الكثير من أعمالها الروائية من علاقتها بأمها التي عايشت الحرب العالمية الثانية، سألها فيها مقدم البرنامج عن أكثر نصيحة رسخت لديها من أمها فقالت: كانت دائما تقول: كوني نفسك، وكنت دائما أرد في داخلي: لا أعرف من هي.

بالمقابل، الذين لا يعرفون من هم، ليسوا دائما المفلسين والفوضويين والمتعبين، بل إن جزءا كبيرا منهم مبدعون وفنانون.

أعتقد أن المقصود بهذه النصيحة التي نتناقلها في ما بيننا من جيل إلى جيل كأنها المفتاح الذي سيمكننا من كل باب مستعص أو الحبة المهدئة التي ستجعل الحياة محتملة، ترسب داخلها مع مرور الزمن نوع من الالتباس بين الكينونة والفعل، إذ يبدو جليا أن هذه الحكمة تخلط بين الفعل وبين الكينونة، فأن تكون نفسك لا يعني بالضرورة ألا تغير فعلك. وأعتقد أن مصدر هذا الالتباس هو الفلسفات الحديثة التي ربطت بين الفعل والكينونة، على غرار نيتشه الذي يقول “أن تفعل هو أن تكون”، وكانط في مقولته المشابهة المعروفة “أن تكون هو أن تفعل”.

تبدو الأمور وكأنها تزداد تعقيدا كلما حاولنا أن نكون أنفسنا، التي لا نعرف أين تبدأ وأين تنتهي، لكن بإمكاننا أن نكون ما نفعله، أو أن نفعل ما يميز كينونتنا، ويمنحها طابعا معينا، وسأسوق مثالا للتوضيح:

إحدى صديقاتي تشتكي على الدوام من كسل ابنها المراهق، الذي بالكاد يقوم من أمام أجهزته الإلكترونية ليدخل الحمام، أو يذهب إلى الفراش، ولا يتوقف عن التذمر والشكوى كما لو أنه عجوز ثمانيني. ودائما ما كنت أحتار بين تطبيق الحكمة الذهبية التي مفادها ألا نسعى لتغيير أحد، لأنه بمجرد أن يحس بنوايانا فإنه سيقاومها بشدة، وهو رد الفعل الطبيعي عن كل محاولة تغيير واقتحام من الخارج، وبين محاولة إقناعه بتغيير سلوكه والتحلي ببعض الحيوية الضرورية في الحياة.

لكن بمجرد أن يقوم الطفل بعمل ما مما يقوم به الأطفال في سنه، كأن يمتطي دراجته ويخرج للعب الكرة، أو جلب بعض الحاجيات البسيطة من المحل، أو اخراج أكياس الفضلات، أو إيصال أغراض معينة لبيت جدته، فإنه يعود مختلفا، والأرجح أنه في تلك الأثناء، يكسب هويته بقوة الفعل المميز لمن هم في سنه، فهذه الأفعال هي “هوية” في حد ذاتها، تمنح وجها وانتماء وكينونة، وبمجرد أن يقوم بها الشخص يجد نفسه ويقبض على كينونته، في تلك اللحظات أو الدقائق التي استغرقتها.

في رأيي الأهم من أن نكون هو أن نفعل، لأن الفعل هو من يحدد من نحن، ويمنحنا صفة واسما، وبالتالي فإن نصيحة “كن نفسك دائما” لا تعني بالضرورة ألا نحسن من فعلنا ونطوره ونرقى به إلى ما هو أفضل، فأنت لست مطالبا بأن تكون شخصا بعينه، لكنك في المقابل مطالب وبقوة بأن تفعل ما يدل عليك.

كاتبة من تونس مقيمة بهولندا

لمياء المقدم

:: مقالات أخرى لـ لمياء المقدم

لمياء المقدم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر