السبت 29 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10617

السبت 29 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10617

عرفات الذي غيبوه

عرفات لم يكن متعاليا ولم يمحُ معارضيه. العكس تماما، استطاع أن يجمع لا أن يفرق. صحيح أن طيلة سنوات الوجود الفلسطيني في الخارج وخاصة في الأردن ولبنان كانت هناك هفوات ونكسات إن صحّ القول، لكن الصورة بقيت متماسكة رغم الجراح.

العرب أحمد فايز القدوة [نُشر في 2016/11/12، العدد: 10453، ص(9)]

12 عاما على رحيل الرئيس الشهيد ياسر عرفات. لم يكن حالة سياسية عابرة في التاريخ النضالي للشعب الفلسطيني. هو سيّد المواقف ومفجّرها. كان لاعبا داخليا وإقليميا ومحركا أساسيا في قضايا كثيرة. استطاع أن يلفت انتباه العالم، كل العالم إلى قضية شعبه اللاجئ والمحاصر والمنفي والضحية.

ياسر عرفات الذي أحيا الفلسطينيون ذكرى رحيله الثانية عشرة. لا بدّ من التذكير بمواقفه وبطولاته ونكساته في بعض الأحيان. كان قائدا ومعلما، قال فيه جورج حبش “ياسر عرفات نختلف معه ولا نختلف عليه”. كان جامعا للطيف السياسي الفلسطيني، جمع داخل فتح، الحركة التي تعاني الآن، كل التناقضات؛ كان فيها العلمانيون واليساريون والإسلاميون. كان أبا للشعب الفلسطيني.

لكن ماذا تغيّر بعد رحيل ياسر عرفات؟ تغيّر الكثير في الداخل الفلسطيني. تغيّرت صورة بقيت متلاحمة ومتماسكة طوال 50 عاما من انطلاقة شرارة “الثورة الفلسطينية”. أضحت الصورة الجامعة اليوم مجرّد نكسة في تاريخ الشعب الفلسطيني. تقاتل الجميع من أجل إبادة الجميع؛ فتح ضد حماس وحماس ضد الجميع.

ليس هناك الآن ما يجمع الشتات الفلسطيني. هناك اقتتال دام مازال ينهش الجسد ويمزق الأوصال. لا وجود الآن لإدارة سياسية للصراع مع المحتل. كل يغني على ليلاه. حماس تتحالف مع الشيطان من أجل بقاء إمارتها في غزة، وفتح ضعيفة وتتآكل على وقع “قصقصة” أجنحة “المعارضة” داخلها. الآن في فتح والسلطة رئاسة تمحو أيّ أثر لمن يجرؤ على انتقاد فخامة الرئيس.

إذن الفرق شاسع بين الأمس واليوم. الفرق كبير، ولا مقارنة بين الشهيد والميت.

عرفات لم يكن متعاليا ولم يمحُ معارضيه. العكس تماما، استطاع أن يجمع لا أن يفرق. صحيح أن طيلة سنوات الوجود الفلسطيني في الخارج وخاصة في الأردن ولبنان كانت هناك هفوات ونكسات إن صحّ القول، لكن الصورة بقيت متماسكة رغم الجراح.

عرفات كان البيت الذي يحتمي فيه الجميع. كان يمثل لوحده، إمكانية لدرء أيّ اختلافات أو استيعابها. قدّم القضية على الاصطفافات السياسية والإقليمية، وإن لم يحل ذلك دون بروز اختلافات سياسية كبيرة بين الفصائل الفلسطينية. إلا أن وجود أبوعمار كان وحده كفيلا بتبديد تلك الصراعات وتحويلها إلى زخم نضالي، وأدبي وفكري في بعض الحالات.

الثابت أن التيارات السياسية كانت تختلف وتتصارع في وجود عرفات، بل اختلفت معه أيضا، إلا أن كل تلك الاختلافات لم تنحدر إلى حضيض المساومات، أو إلى “تأجير” القضية الفلسطينية إلى قوى خارجية، أو إلى المناورة بها وتمييعها في شعارات ممجوجة من قبيل المقاومة والممانعة وما لف لفّهما.

في ذكرى رحيله يستحضر الناس عرفات، ويستحضرون مآثره وزلاته، ويتذكرون مناقبه ومثالبه، لكن الإجماع حاصل على أن الانحدار بدأ مع غيابه، وأيضا مع غياب غيره من الرموز، وصعود مقاولي سياسة أداروا ظهورهم للوطن والقضية.

12 عاما على رحيل عرفات، لا بدّ أن تكون كافية لإعادة إنتاج قيادة متماسكة وقادرة على تحريك التاريخ وإعادة الجغرافيا إلى مكانها. الوضع السياسي مازال على حاله. لم يتغيّر شيء. فساد وتشتت واقتتال وحروب وتصفية حسابات سياسية لا ترحم الناس.

الناس بدوا اليوم أكثر جرأة في البحث عن هجرة بدلا من “العودة”. العودة التي يتلاعبون بها اليوم من أجل مصالح شخصية تخفف عنهم وطأة الوقوف على حاجز إسرائيلي. كيف كنا وماذا أصبحنا؟ أشياء كثيرة ملموسة يحسها الشارع الفلسطيني. يعرف الآن أن القيادة التي تأخذك إلى برّ الأمان غير موجودة. كنا نعرف أن هناك “صعوبات واستحالة في تحقيق السلام” لكن استطاع عرفات أن يدخل إلينا “الطمأنينة” أن غدا سيكون أفضل رغم كل شيء.

عرفات حمل البندقية وكان يعرف أن هناك لحظة سلام آتية. كان يدرك أن قطعة أرض صغيرة لن تكون كافية لبناء دولة. عينه على القدس الغائبة اليوم للأسف. كان يعرف كيف يتحدث في السياسة والدبلوماسية والصعود على المنبر، كيف يحيي الطفل الصغير في المخيم. مخيماتنا اليوم تشوّه بزيّ رسمي.

ما صار إليه الناس اليوم كان في أيام عرفات يعتبر “خيانة”؛ حماس قبلت ما لم يقبل به عرفات، فتح نفسها مشتتة وتتآكل على وقع صراعها المرير على السلطة. جميعهم يبحثون عن سلطة لا عن دولة اسمها فلسطين.

صحافي فلسطيني

أحمد فايز القدوة

:: مقالات أخرى لـ أحمد فايز القدوة

أحمد فايز القدوة

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر