الخميس 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10821

الخميس 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10821

باقة البشر الملونة

علاقة الأطفال بالألوان علاقة وطيدة إلى حدود السنة السابعة من عمرهم تقريبا، يبدأون بعدها في ربط علاقات مختلفة مع الأشياء تتعدى حدود اللون إلى ما هو أعمق.

العرب لمياء المقدم [نُشر في 2016/11/17، العدد: 10458، ص(21)]

اكتشفت منذ أيام قليلة أن ابني البالغ من العمر عشر سنوات يحول البشر إلى ألوان، حدث ذلك خلال جلسة حديث بيننا عن العلاقات والعائلة والأصدقاء لأفاجأ خلالها بأنني ذات لونين وأنني الوحيدة من بين كل معارفه وأصدقائه التي تملك هذه الخاصية.

فضولي كان بلا حد لمعرفة ما تعنيه هذه الألوان ولماذا يقوم بهذه العملية مع كل من يعرفهم، أي ما المغزى من تحويل البشر إلى ألوان، وماذا يعني ذلك بالنسبة إليه؟

اكتشفت أن لونيّ هما الأخضر والأصفر، وأن الأخضر يعني التلقائية والطبيعة والسلوك الصحي، والأصفر يعني الحنان والقلق! قادني الفضول لمعرفة المزيد عن هذه الباقة الغنية من البشر، فسألت عن لون أبيه، ولون أخيه، ولون أصدقائه، ولون معلمته، ولون الجارة، ولون زوجة أبيه إلى ما لا نهاية، واندهشت عندما عرفت أنه يملك لكل واحد لونا جاهزا، ما عدا شخص واحد قال إنه لم يستطع أن يحدد لونه بعد، ولا يعرف إن كان سيتمكن من ذلك في المستقبل القريب؟

الأبيض بالنسبة إليه هو الشخص المسالم، الهادئ والعاقل الحكيم. البني هو الشخص صاحب الأحلام الكبيرة، والأحمر هو الذي لديه قدرة كبيرة على التخيّل، المثابر على العمل، والقلق، أما الوردي فهو لون خادع يقول ويمكن أن يتحلى بصفات ليست فيه. اعتذر وهو يقول إنه يجدني قلقة، لكنه كان مصرا على قول الحقيقة، التي شجعته بدوري على الإفصاح بها كاملة لما تعنيه لي من أهمية، فليس أهم ولا أجمل ولا أعمق من لحظة ترى فيها نفسك بعيني طفلك.

سألته عن الطريقة التي يحدد بها لون الشخص، هل يراقب سلوكه مثلا، مظهره، كلامه، طريقة مشيته، عمره؟ فقال إن الموضوع مجرد حدس لا غير، وأنه يجد نفسه وهو يفكر في شخص ما يرى لونا معينا يطغى عليه. في النهاية وجدت نفسي أطلب منه أن يسمح لي بأن أدوّن هذه الألوان وما تعنيه له، بعد أن خطر على بالي أن أقضي بعض الوقت في معرفة التحليل النفسي للألوان ومدى تطابقها مع التفسيرات التي أعطاها لها.

لم أجد الكثير من التطابق، مما يعني أن هذه التفسيرات هي من اجتهاده أو من اسقاطه إن صح التعبير، وهي لا تخضع إلى أي منطق معين. لكن البحث في موضوع علاقة الأطفال بالألوان قادني إلى استنتاج مذهل: هو أن ابني عاطفي وحساس أكثر مما توقعت، وليس عمليا ومنطقيا كما يبدو من أعداده الجيدة في المواد الصحيحة، ومن سلوكه المتوازن.

بعد حديث قصير مع صديقة مختصة في الطب النفسي، عرفت أن علاقة الأطفال بالألوان علاقة وطيدة إلى حدود السنة السابعة من عمرهم تقريبا، يبدأون بعدها في ربط علاقات مختلفة مع الأشياء تتعدى حدود اللون إلى ما هو أعمق، وعرفت أيضا أن الأطفال الذين يستمرون بعد هذه السن في تحويل ما يرونه إلى ألوان هم أطفال عاطفيون تلقائيون، حساسون، وموهوبون على الأرجح في جانب ما، على عكس الأطفال الذين يحولون الأشياء إلى خطوط وأشكال.

لكن الاكتشاف الأكبر بالنسبة إلي كان عندما أخبرتني هذه الصديقة بأن ابني، على ما يبدو، يفضل أن يحول المعلومات إلى مخزون بصري ليتمكن من حفظها بشكل أفضل. هذا الاكتشاف كان الأهم على الإطلاق لأنه ساعدني على فهم علاقة ابني المتشعّبة مع التذكّر، ومع حالات السهو والنسيان المتكررة التي تجعله يفقد ما لا يقل عن 3 نظارات ومعطفين في السنة، وفي مسك طرف الخيط الذي سيقود إلى الطريقة الأمثل لمعالجتها، والتي تبدأ، كما هو واضح، من منح المعلومات أيا كانت طبيعتها ومهما بلغت من تجرد لونا معينا وتحويلها إلى مادة بصرية.

يتعامل أطفالنا مع كمية ضخمة من المعلومات يشعرون أنهم مطالبون بحفظها وتفسيرها، تبدأ بوضع الأشخاص من حولهم في خانة “معرفية” مختزلة، إما لونية وإما شكلية وإما حتى على هيئة حيوانات، سيكون من الممتع جدا لأي أب أو أم اكتشاف أسلوب تحايلهم الذكي والفطري عليها، الذي يكشف في الآن نفسه جانبا مهما من شخصيتهم.

كاتبة من تونس مقيمة بهولندا

لمياء المقدم

:: مقالات أخرى لـ لمياء المقدم

لمياء المقدم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر