الثلاثاء 28 فبراير/شباط 2017، العدد: 10557

الثلاثاء 28 فبراير/شباط 2017، العدد: 10557

لا تسوية سياسية ولا مصالحة وطنية مع حزب المالكي

المرحلة المقبلة في العراق عقب الانتهاء من معركة الموصل، ستكون مختلفة حتما عن المراحل السابقة خصوصا في المحافظات السنية العربية، التي عاش شعبها في السنوات الماضية وما يزال، تحت وطأة التنكيل والإذلال والتقتيل.

العرب هارون محمد [نُشر في 2016/11/24، العدد: 10465، ص(8)]

منذ الإعلان عن مسودة وثيقة التسوية التي تبناها رئيس المجلس الأعلى عمار الحكيم نيابة عن التحالف الوطني الشيعي في الأسبوع الماضي، وحزب الدعوة برئاسة نوري المالكي، يعلن بين ساعة وأخرى، وبين تصريح وتصريح، أنه يرفض اللقاء أو مصالحة أطراف وشخصيات سنية عربية، بعضها شارك في العملية السياسية وتبوأ مناصب عدة في المرحلة السابقة، ثم أُجبر على مغادرتها بعد إثارة قضايا كيدية عليه، والبعض الآخر ناهض نظام المحاصصات منذ البداية وعارض بشدة ولايتي “ما ينطيها”، والغريب أن الحزب يتذرع في اعتراضاته على الفئتين، وكأنه صاحب القرار في قبولهما أو رفضهما، رغم أن قادته يدركون أن حزبهم الذي ما زالت صفتا “الخائن العميل” تلازمه أين ما ورد اسمه وحيث ما جاء ذكره في الشارع الشعبي العراقي، سرا وعلانية، لا مكان له في أي تسوية سياسية جديدة أو مصالحة وطنية مقبلة، إلا إذا اعتذر للعراقيين وخصوصا السنة العرب والأكراد والكثير من الشيعة والتركمان والأقليات، واعترف بخطاياه الموثقة التي لا يستطيع إنكارها أو نفيها.

وصحيح أن ثرثرة حزب الدعوة التي تصاعدت في الأيام القليلة الماضية، جاءت عقب اجتماع وفد سني ضم رئيس كتلة “متحدون” أسامة النجيفي، والأمين العام للمشروع العربي الشيخ خميس الخنجر، ووزير المالية الأسبق رافع العيساوي وقائد حرس نينوى أثيل النجيفي مع رئيس إقليم كردستان مسعود البارزاني في أربيل في الأسبوع الماضي، إلا أن الصحيح الذي يسعى الحزب إلى إخفائه، أن الشخصيات الخمس لديها “فيتو” سياسي على رئيسه نوري المالكي ولن تتعاطى معه الآن ولا مستقبلا، إلا بعد الاعتذار والاعتراف، والأخير يعرف هذه الحقيقة، وحاول في فترات سابقة تسويتها وخاصة مع الشيخ الخنجر عبر إرسال مبعوثين وموفدين معروفين بأسمائهم وعناوين وظائفهم إليه، ولكنهم عادوا خائبين إلى بغداد، دون أن يحرزوا نجاحا في مهامهم، وبعضهم اقتنع بطروحات الخنجر واكتشف ألاعيب المالكي وافترق عنه.

والمالكي يعرف أيضا، أن اجتماع الخمسة، بما يمثلونه من ثقل سياسي واجتماعي، قد يقود في المدى القريب إلى تشكيل تحالف سياسي عريض، ينتظر الانتهاء من معركة الموصل لإعلانه، يضم قيادات شيعية وجناحا من حزب الدعوة، معتدلا لا ينسجم مع المالكي، إلى جانب أطراف أخرى، وستكون أولى مهمات هذا التحالف، محاكمة مرحلة انحدر العراق فيها إلى خراب فظيع، لم يشهده إطلاقا حتى في العهود المظلمة التي مرت عليه عبر التاريخ، بسبب سياسات المالكي الطائفية وتصرفاته الحمقاء.

وبالنسبة إلى السنة العرب وخصوصا القوى والأطراف التي عارضت المالكي وتصدت لسياساته الطائفية، فإنها ستطرح ورقتها بشأن التسوية المقترحة، ليس ردا على وثيقة التسوية الشيعية، وإنما لتوضيح رؤيتها حول الكثير من القضايا الخلافية، أبرزها إعادة النظر في بنود الدستور وضرورة تعديله، وإلغاء قوانين جائرة أضرت بالشعب العراقي وأخرى فرقت نسيجه الاجتماعي، واستحداث تشريعات جديدة تقوم على العدل والإنصاف، وإطلاق سراح الموقوفين والمعتقلين وتعويضهم، وحتى الذين حكم عليهم بالإعدام تجب إعادة محاكمتهم من جديد أمام محاكم نزيهة لا يشترك فيها قضاة أنذال مشخصة أسماؤهم، ومراجعة قرارات الاجتثاث والعفو العام، وتثبيت دعائم التوازن الوطني وتطوير مهنية الجيش والقوات المسلحة والأجهزة الأمنية، وتوسيع لا مركزية المحافظات وحقها في التحول إلى إقليم إداري، وفق إرادة أغلبية سكانها.

إن المرحلة المقبلة في العراق عقب الانتهاء من معركة الموصل، ستكون مختلفة حتما عن المراحل السابقة وخصوصا في المحافظات السنية العربية، التي عاش شعبها في السنوات الماضية وما يزال، تحت وطأة التنكيل والإذلال والتقتيل والقهر، ويعامل كمواطنين من الدرجة الثالثة، ولم تترك له الأحزاب والميليشيات الشيعية وخاصة حزب الدعوة وحلفاءه، فرصة لتضميد جراحه ومعالجة معاناته، بالعكس فإن أطرافا محلية ودوائر إقليمية تعمل بشكل متسارع لقضم أجزاء واسعة من محافظات ديالى وصلاح الدين والموصل لتشكيل الجناح الشرقي لمشروع الهلال الشيعي الإيراني الذي تنامى جناحه الغربي، وبات ظاهرا في سوريا ولبنان.

لقد أثبتت التجارب السياسية منذ احتلال العراق في أبريل 2003 أن الأحزاب الشيعية وعلى رأسها حزب الدعوة، لا تستطيع مغادرة نهجها العدواني وخطابها الطائفي ضد السنة العرب، وتعتبر غالبيتهم الساحقة، إرهابيين وتكفيريين وبعثيين وصداميين إلى آخر افتراءاتها المفضوحة، حتى الذين تعاونوا معها طيلة السنوات السابقة، استخفت بهم ولاحقت كل من أبدى رأيا لا يتوافق مع توجهاتها، وتجربة طارق الهاشمي وعدنان الدليمي ورافع العيساوي وأحمد العلواني وعبدالناصر الجنابي ومحمد الدايني وأثيل النجيفي وأحمد أبوريشة، حية ومعاصرة. ووفق هذه المعطيات التي باتت واقعا على الأرض وسياسة ثابتة تلتزم بها الطبقة السياسية الشيعية، وتعمل على تطوير ركائزها في المحافظات السنية، لم يبق أمام السنة العرب غير الاعتماد على أنفسهم وإنتاج مرجعية سياسية تسعى إلى لملمة صفوفهم وبلورة رؤيتهم وصياغة منهج جديد لهم، يقوم على تنازل بعضهم لبعضهم وطي خلافاتهم السابقة وعزل “سنة المالكي” والمتعاونين مع إيران وهم قلة صغيرة والحمد لله، وتحريم العمل السياسي لبعض المحسوبين عليهم، ممن تلوثت أياديهم بالمال الحرام والفساد والصفقات المشبوهة وهم أفراد يعدون على الأصابع.

وأول عمل تتبناه المرجعية السياسية للسنة العرب هو تعبئة الجهود وحشد الطاقات لإعادة الملايين من النازحين والمهجرين إلى ديارهم ومناطقهم، من خلال إنشاء صندوق خاص تحت إشراف الأمم المتحدة، أعلنت دول الاتحاد الأوروبي واليابان وتركيا والسعودية والإمارات وقطر، استعدادها للمشاركة فيه، يتولى بناء المدن المهدمة وتعويض أصحابها وإنعاش اقتصادها، ويتيح حرية العمل السياسي والاجتماعي والمهني فيها، دون استثناء أو تمييز، وممارسة ضغط على الحكومة المركزية لإطلاق مستحقات المحافظات المنكوبة إلى الصندوق مباشرة، دون تلكؤ وبلا لجان تعبانة، وبعيدا عن صيغة “كتابنا وكتابكم” سيئة الصيت.

كاتب عراقي

هارون محمد

:: مقالات أخرى لـ هارون محمد

هارون محمد

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر