الاثنين 29 مايو/ايار 2017، العدد: 10647

الاثنين 29 مايو/ايار 2017، العدد: 10647

في الاعتراف بالتغيير احترام للنفس

الاعتراف بالواقع وتقبل التغيير، هما في النهاية المخرج الوحيد من مآسينا مهما عظمت ومن ألمنا مهما تراكم، وهو الطريق الذي سيوصلنا في نهاية الأمر إلى أنفسنا وإلى السعادة.

العرب لمياء المقدم [نُشر في 2016/12/01، العدد: 10472، ص(21)]

شيء ما في سلوك بعض البشر يجعلهم لا يصدقون ما يحصل لهم، فيرفضونه بالكامل كما لو أنه لم يحدث أبدا. شيء غامض غير مفهوم يدفعهم لنكران التغيرات التي تطرأ على حياتهم، فإذا مات لهم أحد عاشوا بعده كأنه موجود بينهم، وإذا فقدوا عملا تصرفوا كأنهم لم يفقدوه وتكلموا من منصب ولغة الوظيفة أو المهنة التي لم تعد لهم، وإذا عاشوا في بلد غير بلدهم تجنبوا كل ما يذكّرهم بأنهم بعيدون، وأغلقوا على أنفسهم باب الذكريات.

حالتان غريبتان عايشتهما بنفسي في السنوات الأخيرة، الأولى لزميلة تم فصلها من العمل فظلت لأسابيع طويلة تخرج كل صباح من البيت في مواعيد العمل العادية وتعود إليه آخر النهار موهمة زوجها وأبناءها بأنها مستمرة في وظيفتها بالشكل المعتاد، حتى صادف أن اتصل بها أحد الزملاء لغرض الاستفسار عن أمر ما، فاكتشف أن عائلتها تعتقد أنها في المكتب. استوجب أمر إقناعها بالتغيير حديثا مطولا، ومعالجة نفسية حتى تقبل بالأمر الواقع بينها وبين نفسها أولا ثم تواجه به الآخرين.

الحالة الثانية لسيدة طلقت من زوجها، لكن شيئا ما داخلها رفض الاعتراف بأن حياتها معه انتهت، فعاشت سنوات طويلة في وهم الحياة المشتركة وبحثت عن وسائل وأساليب تجعل التواصل قائما والحياة تسير كما لو أن شيئا لم يحدث. صادفت هذه الحالة أكثر من مرة، ولدى أكثر من امرأة، وهي مؤلمة لدرجة أنك تتمنى لو في مقدورك أن تهز هذه السيدة من كتفيها عدة هزات وتنظر في عينيها قائلا: انتهى كل شيء. من ضمن هذه الأساليب أنها لا تتوقف أبدا عن جره إلى المحاكم لسبب أو لآخر، إما بسبب رعاية الطفل، أو احتياجاته، أو مصروفاته، أو سوء التواصل بينهما، إلى غير ذلك من الحجج التي تجعل الخلافات، الباب أو المنفذ الوحيد القائم الذي من خلاله تطل على حياتها معه، وتفرض وجودها ضمن أولويات أعماله وأفكاره وانشغالاته. خمس سنوات كاملة قضتها هذه السيدة في الخصام مع زوجها السابق، حتى تحولت المعركة معه إلى دافع للاستمرار ومبرر للوجود.

في حالة مشابهة أخرى عاشت امرأة مطلقة سنوات طويلة على وهم حب زوجها السابق لها، الذي انتقل لحياة وحب زوجة أخرى، في حين ظلت هي عالقة في وهم الحب الذي كان، تضع الأغاني وتكتب الرسائل وتنتظر عودة رجل غادرها إلى الأبد.

إنها حالات مؤلمة بالتأكيد، تحتاج لوقفة شجاعة مع النفس واعتراف صادق بأن الحياة تتغير، وتغيرها من طبيعة الحياة وبديهياتها.

دوافع هؤلاء الناس متعددة، فمنهم من يرفض التغيير لأنه يجد نفسه فوق التغيير، أو لأنه خائف من مواجهة واقع جديد، ومنهم من يعتقد أن كرامته لا تسمح له بتقبل الحقيقة، ومنهم من يكابر ويعاند ويغالط لأسباب خاصة أو موضوعية، لكن المؤكد أن في قبول التغيير والتعامل معه كحقيقة احتراما للنفس وإعلاء من شأنها بالدرجة الأولى، والأجدر بكل نفس عفيفة أن تضع نقطة خلف ما ولى وانتهى وتبدأ حياة جديدة، حقيقية تشبه واقعها المستجد عليها. لن يكون الأمر سهلا بالتأكيد، وقد لا يخلو من خوف وقلق ومشاعر مختلطة أخرى، إلا أن الاعتراف بالواقع وتقبل التغيير، هما في النهاية المخرج الوحيد من مآسينا مهما عظمت ومن ألمنا مهما تراكم، وهو الطريق الذي سيوصلنا في نهاية الأمر إلى أنفسنا وإلى السعادة.

كاتبة من تونس مقيمة بهولندا

لمياء المقدم

:: مقالات أخرى لـ لمياء المقدم

لمياء المقدم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر