الاحد 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10817

الاحد 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10817

الوهم المحبوب.. كيف صنعت الأخبار المفبركة وعينا الجمعي

  • استعداد الإنسان المعاصر لنشر وتصديق الأخبار المفبركة ظاهرة لها جذورها وتقاليدها الثقافية القديمة، لكن مواقع التواصل ساهمت في ترسيخها، وسلبت الناس الوقت الكافي للتحقق من الأخبار بسبب كثافة وسرعة سريانها على شبكة الإنترنت.

العرب إياد بركات [نُشر في 2016/12/03، العدد: 10474، ص(18)]

نسخ مطابقة للفبركة

رافقت صناعة ونقل الأخبار المزيفة والمفبركة مسيرة الإنسانية لعشرات الآلاف من السنين، فلم تولد المبالغة والتهويل في عصر السوشيال ميديا والإنترنت، فهذه كانت لعبة الإنسان منذ تعلم الكلام وأتقن حَبْك القصص والروايات، لكن في الماضي كان الخبر المزور ينتقل ببطء شديد، ويؤثر على مجموعة صغيرة من الناس في مناطق جغرافية صغيرة ومحدودة، أما الآن يمكن لأي خبر أو قصة أن تنتقل بسرعة فائقة وتنتشر في أرجاء المعمورة وتُحدث تأثيرات وتنتج عنها تداعيات لا يستطيع أحد التنبؤ بها، ولا حتى صانعها أو مؤلفها.

وبتنا اليوم في عصر السوشيال ميديا نعيش في بيئة إعلامية مختلفة، الأخبار تنتشر بكثافة أكثر وبسرعة أكبر ومن مصادر متعددة جدا.

ويبدو أن شهية الناس للأخبار المفبركة ازدادت بشكل كبير في السنتين الماضيتن، فبحسب عالم النفس كيث آبلو “شهية الإنسان المعاصر لنشر وتصديق الأخبار المفبركة ظاهرة لها جذورها الثقافية القديمة، ولكن السوشيال ميديا جعلتنا هدفا أسهل، وسلبتنا الوقت الكافي للتحقق من الأخبار بسبب كثافة وسرعة الشبكات الاجتماعية”.

كانت صناعة الأخبار والقصص الخيالية في الماضي تحدث بوتيرة أقل، وانتشارها كان قد يستغرق سنين طويلة ليصل إلى المدى الذي يؤثر على مجموعات كبيرة من البشر كي يغير أحداث التاريخ أو ينتج أخرى جديدة.

كما أن القصص والأقاويل بكل أنواعها تمر عبر ما يشبه عملية “انتخاب طبيعي” طويلة، تخضع من خلالها القصة لعملية تصفية وفحص بطيئة وقاسية، فإن كانت القصة تخدم مصلحة الإنسان وبقائه في بيئة معينة ومجتمع معين وزمن معين عاشت وانتعشت وانتشرت وإلا ماتت أو تغيرت أو تحولت لتكون أكثر مناسبة للظروف والزمان والمكان. وحتى إن أصر مجتمع ما على تبني روايات وقصص وهمية لا تناسبه ولا تتناسب مع زمانه ومكانه غالبا ما اختفى ذلك المجتمع وتلاشت معه أساطيره.

حياتنا في العالم الافتراضي أصبحت تستحوذ على وقت طويل جدا من حياتنا اليومية على أرض الواقع، أصبحنا نعيش ونتصرف ككينونات افتراضية أكثر وأكثر

مرت سنوات طويلة على ظهور وانتشار الإنترنت واختراع الشبكات الاجتماعية وإقبال الناس الشديد عليها، فعدد مستخدمي فيسبوك يقترب الآن من 1.8 مليار إنسان حول العالم، بالإضافة إلى العشرات من المواقع الأخرى المشابهة ومستخدموها بالملايين.

وأصبحت حياتنا في العالم الافتراضي تستحوذ على وقت طويل جدا من حياتنا اليومية على أرض الواقع، أصبحنا نعيش ونتصرف ككينونات افتراضية أكثر وأكثر.

يؤكد آبلو “نحن الآن أصبحنا أكثر عرضة لتصديق الأخبار المفبركة وضعفت مناعتنا الذاتية لأننا تعودنا على تزييف حياتنا باستخدام التكنولوجيا، فعندما نبني واقعا افتراضيا من خلال فيسبوك أو التشات أو ألعاب أونلاين، يصنع الكثير منا سرديات وهمية باستخدام الصور الجذابة وقصص مقابلة المشاهير وزيارة الأماكن الخلابة، كل هذا التعود قلل عطشنا إلى الأخبار الحقيقية”.

يؤكد العديد من الخبراء أن هذا العام 2016 هو العام الأكثر أمنا وسلاما وازدهارا وتقدما للبشرية منذ فجر التاريخ، لكنه كان أيضا عام انتشار الغضب والشعور بعدم الاستقرار، فهذا الازدهار المزعوم والسلام التاريخي لم يشملا جميع الشرائح والمجتمعات والأماكن حول العالم ولا حتى كل المناطق والشرائح داخل البلدان المزدهرة نفسها.

ووفر وجود هذه الشرائح المجتمعية الغاضبة، فرصا كبيرة لكل من يريد استغلالها وتسخيرها من أجل مكاسب مالية، سياسية أو دينية، وهناك العديد من الوسائل العلمية والتقنيات التي تمكن من الاكتشاف والتعرف على هذه الشرائح والمجتمعات الغاضبة وقياس درجة سخطها وتوجهاتها.

يقول ريان مارتي، عميد كلية علم النفس في جامعة ويسكونسان “الغضب هو أكثر عاطفة فيروسية أونلاين، وهو غالبا ما يدفع الناس إلى نشر المواد المفبركة، كراهيتك لشخص أو شيء ما تجعلك تبرر لنفسك نشر الأخبار الكاذبة، والقناعات المسبقة المبنية على الغضب تجعل الناس ينخرطون أكثر في عملية النشر والتوزيع”.

إن شبكات التواصل الاجتماعي منصات لصناعة التأثير الذي دائما ما يتحقق بإعادة التأكيد مرة بعد مرة على نفس القناعات المسبقة حتى وإن كانت غير واقعية، ولا شيء يدعم موقف شخص ويزيد من قوة تأثيره أكثر من وجود وانتشار وجهات نظر تبدو “محايدة” لأطراف أخرى تؤكد نفس الفكرة.

صناعة ونشر الأخبار المفبركة تقليد عريق وقديم في الولايات المتحدة الأميركية، وكانت لها دائما شعبية

وليس الأفراد وحدهم من ينقلون الأخبار الكاذبة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فمنذ أصبحت الأخبار صناعة في بدايات القرن السابع عشر الذي شهد ولادة أول صحيفة في ألمانيا، تنبه العالم لقوة تأثيرها وقدرتها على التغيير، يقول ستيف ميلر، بروفسور الإعلام الأميركي “عملية صناعة ونشر الأخبار المفبركة تقليد عريق وقديم في أميركا، وكان لها دائما شعبية كبيرة بين الجمهور، ولكن التكنولوجيا المعاصرة جعلتها تنتشر أسرع وأعمق من قبل”.

ويستشهد الكاتب روبرت باركينسون بقصة تاريخية عن أحد الآباء المؤسسين ورؤساء أميركا، الرئيس بنجامين فرانكلين، للتأكيد على عراقة تقليد صناعة الأخبار المفبركة في الحياة السياسية والإعلامية هناك، ففي عام 1782، بعد أعوام قليلة على إعلان الاستقلال الأميركي، كان بنجامين فراكلين يشغل منصب سفير الولايات المتحدة في فرنسا، حيث قام من خلال مطبعة في إحدى ضواحي باريس بكتابة وتصميم وطباعة أعداد كاملة مفبركة من صحيفة حقيقية تنشر في مدينة بوستون في أميركا تدعى إندبندنت كرونكل.

كانت تدور في تلك الأثناء مفاوضات السلام بين أميركا الوليدة وبريطانيا الإمبراطورية، ولم يكن فرانكلين راضيا عن مفاوضات السلام، فكان يرفض أن تكون معاهدة السلام مجرد وقف لإطلاق النار وأرادها أن تكون مصالحة حقيقية بعد أن تقوم بريطانيا بتعويض الشعب الأميركي عن الأذى الذي لحق به، وكان يردد باستمرار “سلام دون مصالحة لن يدوم”.

وصل خبر إلى السفير فرانكلين بأن بريطانيا أصبحت أكثر استعدادا لإجراء مصالحة حقيقية، وحسب الأرشيف الرسمي الأميركي عن الآباء المؤسسين، قرر فرانكلين إصدار أعداد الصحيفة المفبركة في باريس لكي تصل بسهولة إلى لندن ويعاد نشرها هناك للتأثير على الرأي العام والحكومة البريطانية، أحد الأخبار المفبركة التي نشرها فرانكلين كان عن “اكتشاف أكثر من 700 فروة رأس مسلوخة من جثث أبناء شعبنا المسكين”، القصة المفبركة التي كتبها فرانكلين كانت بشعة جدا، فادعى الخبر أن القوات الأميركية اكتشفت أكياسا كثيرة من فروات الرؤوس لرجال وسيدات وأطفال رضع، كل هذه الجرائم، حسب الخبر المفبرك، قام بارتكابها الهنود الحمر الذين قاتلوا ضمن قوات الملك جورج والجيش البريطاني. إضافة عامل “الهنود الحمر” كان لأجل إقناع الشعب البريطاني الذي كان عنده قناعات مسبقة عن ممارسات الهنود الحمر.

بعد توزيع فرانكلين لأعداد الصحيفة المفبركة، وإصراره على أنها الحقيقة، وصلت لندن ووصلت أميركا حيث أعيد نشرها على صفحات العديد من الصحف الحقيقية حتى أصبحت جزءا من الوعي الجمعي الأميركي، وكانت لها تداعيات تاريخية على السكان الأصليين “الهنود الحمر” وما زالت حتى يومنا هذا.

محلل تكنولوجي

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر