الاثنين 20 فبراير/شباط 2017، العدد: 10549

الاثنين 20 فبراير/شباط 2017، العدد: 10549

فرنسوا فيون هل يكون ترامب بنكهة فرنسية

فيون يطالب بالترحيل الفوري دون إمكانية العودة للأجانب الذين يمثلون تهديدا لأمن فرنسا ويعتبر أن الشمولية الإسلامية تهدد جزءا كبيرا من العالم.

العرب ثائر الزعزوع [نُشر في 2016/12/04، العدد: 10475، ص(8)]

يميني على أعتاب الإليزيه يحذر من حرب عالمية ثالثة

باريس - أعلن الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند عن نيته عدم الترشح لفترة رئاسية مقبلة. وبهذا بات الطريق ممهداً أمام أصحاب هذه الكلمات؛ “علينا أن نسمّي الأمور بأسمائها الحقيقية. نعم إن منطقتنا تتعرض لغزو دموي إسلامي”. بهذه الجملة المثيرة للذعر لدى الكثيرين وبالعديد من الجمل المشابهة لها، يتقدم السياسي الفرنسي المحترف فرنسوا فيون بخطوات واثقة نحو قصر الإليزيه، بعد أن تمكن من سحق آلان جوبيه منافسه الأخير في الانتخابات التمهيدية لأحزاب اليمين والوسط، وبفارق كبير جداً.

خلال المناظرة الأولى لم تشر استطلاعات الرأي إلى فيون على أنه قد يكون تسونامي “اليمين” الذي سيكتسح باقي منافسيه. كان يقف على المنصة مبدياً ثقة زائدة بأناقته الواضحة، ونبرة صوته الهادئة. بدا أن كلّ شيء وقتها يرجّح كفّة جوبيه، وزير الخارجية الأسبق وصاحب الخبرة الطويلة في مجال العمل الحكومي والسياسي، والذي قدم رؤية متوازنة للحلول الممكنة، وكان برنامجه الأقرب إلى الواقعية من برنامج منافسيه الآخرين، تساقط الجميع في المناظرة الأولى ولم يبق إلا ثلاثة الرئيس السابق نيكولا ساركوزي، ووزير خارجيته آلان جوبيه، ورئيس وزرائه فرنسوا فيون.

اعتزل ساركوزي الحياة السياسية بعد هزيمته أمام المسؤولين السابقين إبان فترته الرئاسية الأولى، وبقيت أمام فيون مهمة شاقة ظاهرياً وهي إقناع جمهور اليمين بأنه الأكثر قدرة على قيادة بلادهم من منافسه آلان جوبيه الذي هاجمه معتبراً إياه تقليدياً لأنه أبدى، خلال المناظرة التي جمعتهما، تحفظات شخصية على الإجهاض انطلاقا من معتقداته الكاثوليكية وبأنه يحظى بتأييد معارضي زواج المثليين وحتى قسم من اليمين المتطرف. إلا أن ذلك كله لم يغير في النتيجة شيئاً، فقد انتصر فيون وبفارق أصوات يصل إلى 30 بالمئة من أصوات ناخبي اليمين والوسط، ولوح فرانسوا فيون لأنصاره معلناً أنه سيواصل الطريق الذي بدأه ولن ينهيه إلا في قصر الإليزيه.

رجل ساركوزي

يقول فيون إنه يرغب بإلغاء خمسمئة ألف فرصة عمل وظيفي على مدى خمس سنوات، وسيعمل على زيادة ساعات وقت العمل في الخدمات العامة إلى تسع وثلاثين ساعة أسبوعيا، كما أنه يريد زيادة نسبة القيمة المضافة إلى اثنين وعشرين بالمئة. ويعد بالحدّ من الإنفاق العام بقيمة مئة مليار يورو. أما بالنسبة إلى قطاع الخدمات الصحية العامة، فيطمح إلى إصلاح نظام الرعاية الصحية، وهو يريد تسقيف زيادة الإنفاق على الرعاية الصحية، بـ2 بالمئة سنوياً.

في هذه الأثناء تبرز على الضفة الأخرى منافسة لا تقل شراسة عن فيون، وهي تفوقه تطرفاً في مواقفها وتصريحاتها التي توصف بالنارية، هي زعيمة الجبهة الوطنية مارين لوبان، والتي تبدو واثقة من فوزها وخاصة بعد أن تمكن نظيرها الأميركي دونالد ترامب من الفوز برئاسة الولايات المتحدة الأميركية، وهي تعتبر فوزه بداية لعالم جديد، وتتمنى أن يقلب الشعب في فرنسا الطاولة التي تلتف حولها النخب لتقتسم ما يجب أن يكون للشعب الفرنسي.

وبينما تتميز لوبان بالهمجية، إن صح القول، فهي لا تراعي الأصول السياسية في خطابها، ولا تمتنع عن الرقص ثملة في الحفلات العامة، فهي من الشعب وليست من النخبة، فإن خصمها المستقبلي فرنسوا فيون بعيد كل البعد عن الظهور بمثل هذه الصورة، وهو نقيضها تماماً فهو لم يكن في يوم الأيام بعيداً عن النخبة السياسية، فوالداه كانا عضوين بارزين في الحزب الديغولي “اتحاد الديمقراطيين من أجل الجمهورية” الذي يعتبر اللبنة الأساسية لحزب “الاتحاد من أجل حركة شعبية” (الجمهوريون حاليا) وقد بدأ فيون مسيرته السياسية حين كان لم يزل شاباً كملحق برلماني للنائب عن منطقة “سارت” جويل لو تول، صديق والديه. وعندما أصبح لو تول وزيراً للنقل ثم الدفاع، وظف معه فيون كمكلف مهمات.

كتاب فيون "هزيمة الشمولية الإسلامية" يؤكد فيه على أنه يجب التصدي لما سماه بـ"غزو دموي إسلامي" معتبرا أن "الاجتياح الإسلامي الدامي لحياتنا ينذر بحرب عالمية ثالثة". ولمواجهة هذا التهديد، يعتزم فور وصوله إلى سدة الرئاسة "إعادة النظر جذريا في مبدأ سيادة الدولة"

وفي العام 1981 انتخب فيون، والذي كان وقتها في السابعة والعشرين من عمره، نائباً في الجمعية الوطنية الفرنسية ليكون أصغر نائب يدخل البرلمان. وبعد عامين فقط فاز في الانتخابات المحلية ببلدة سابلي سور سارت وأصبح رئيساً للبلدية.

بعد عشر سنوات دخل فيون الحكومة الفرنسية للمرة الأولى، حين عيّن وزيراً للتعليم العالي في حكومة إدوار بلادور. وعين لاحقاً وزيراً للتكنولوجيا والبريد والمواصلات في الحكومة التي كان يرأسها منافسه الخاسر آلان جوبيه إبان رئاسة جاك شيراك. ثم عين في منصب وزير الشؤون الاجتماعية حيث اقترح إصلاح التقاعد ليشمل الأنظمة الخاصة التي يفيد منها 6.1 ملايين من الموظفين العامين القدامى، وقد وصف اليسار ذلك المقترح بالمستفز.

صديق بوتين

صعد فيون ليعين وزيراً للتربية الوطنية في حكومة جان بيار رفران. حينها طرح رؤيته لإصلاح النظام الدراسي وفي العاشر من فبراير عام 2005 تظاهر أكثر من 100 ألف طالب ثانوية فرنسي ضد مشروع القرار الذي تقدم به فيون، وأغلقت العديد من المدارس أبوابها، وقد اضطر فيون لإجراء العديد من التعديلات على المشروع نزولاً عند رغبة الشارع الطلابي الغاضب.

في العام نفسه تعرض اليمين لخسارة قاسية في الانتخابات البرلمانية أمام اليسار وحل دومينيك دو فيلبان رئيساً للوزراء بدلاً من رافران، وغادر فيون الحكومة من بابها الواسع ليتفرغ للعمل الحزبي ودعم المرشح اليميني ساركوزي في الانتخابات الرئاسية، ومع وصول الأخير إلى قصر الإليزيه عام 2007 تبوّأ فيون منصب رئيس الوزراء، وتوصف فترة رئاسته للحكومة والتي استمرت طيلة فترة رئاسة ساركوزي بأنها أشبه بمنصب “مدير مكتب مطلق الصلاحيات”. فقد كان مستعداً تماماً لتنفيذ ما يطلبه ساركوزي دون مناقشة. على الرغم من أن ما يميز شخصيته، تفضيله للحوار ومناقشة الأفكار.

ما تزال الأفكار المتعلقة بالسياسة الداخلية هي نفسها التي كان يحملها فيون منذ سنوات. فهو يوصف بأنه أقرب إلى الليبراليين من الناحية الاقتصادية، لكنه محافظ من الناحية الاجتماعية. وأما ما أعلنه من خلال برنامجه الانتخابي وتصريحاته المتلاحقة عن سياسته الخارجية فهي تضعه بشكل أو بآخر في إطار القطيعة مع القيم الفرنسية، كما يقول منتقدوه اليساريون، فهو يبدي ميلاً للتقارب مع روسيا بوتين التي أعلنت أوروبا القطيعة معها، وذهب بعض رسامي الكاريكاتير لتصويره وكأنه دمية سيلعب بها بوتين في حال تمكّن من الوصول إلى الرئاسة الفرنسية.

إلا أن تلك الآراء لا تبدو مزعجة بالنسبة إليه، ويقول رداً على ذلك “رأيت بعضهم يرسم صورة كاريكاتورية عنّي،على أنني مقرّب من الرئيس الروسي، وهذا أمر سخيف، فحين انحازت فرنسا المقاومة إلى ستالين ضد النازية، هل قلنا وقتها إن الجنرال ديغول أصبح شيوعياً”.

فرنسوا فيون بعيد كل البعد عن الظهور بالصورة الشعبوية التي ظهر بها ترامب ولوبان، فهو نقيض تلك الصورة تماماً

دفاعا عن العبودية

قوانين الهجرة هي الورقة التي يلوّح بها اليمين واليمين المتطرف في أوروبا، وهي التي منحت العديد من الأصوات للشعبويين في كل من فرنسا وألمانيا وإيطاليا والنمسا. لكن فيون يحمل مشروعاً متكاملاً. فهو يطرح في برنامجه حول الهجرة تعديلاً دستورياً، وذلك بربط استقبال ودمج المهاجرين بالطاقة الاستيعابية لفرنسا من خلال تحديد عدد المهاجرين الذين يسمح لهم بدخول البلاد والاستقرار فيها سنويا، وفقا لتصويت البرلمان.

ولأن القانون الفرنسي يمنع القيام بإحصاءات مبنية على الأصل أو اللون أو غيرها من الخصائص التي يمكن أن تكون تمييزية، فإن فيون سيعمل للتخفيف من هذه القيود الدستورية حتى يسهل على حكومته تطبيق سياسته، بهدف تحقيق نوع من التوازن العددي بين الدول المصدرة للمهاجرين، كما يقول.

إصلاحاته ستشمل أيضاً قانون “جمع الشمل العائلي” بحيث يخضع المرشحون للهجرة إلى فرنسا لامتحانات مسبقة حول معارفهم بشأن الثقافة والقوانين الفرنسية. كما سيعمل في اتجاه تقليص مدة البث في ملفات طلبات اللجوء من عامين إلى ستة أشهر، بحيث يتم ترحيل الأشخاص الذين يتم رفض طلباتهم وذلك في إطار تخفيف الأعباء المادية عن كاهل الحكومة الفرنسية.

أوائل سبتمبر الماضي وفي حشد جماهيري قال فيون “إن فرنسا غير مذنبة عندما حاولت تقاسم وترويج ثقافتها وقيمها لدى الشعوب الأفريقية والآسيوية وشعوب أميركا الشمالية. فرنسا ليست هي التي اخترعت نظام العبودية والاستعباد”. وقد أثارت تصريحاته تلك غضباً واستياء شديدين في أوساط الجمعيات المدافعة عن حقوق الإنسان عامة، وعن حقوق السود في فرنسا بوجه الخصوص. وطالبت تلك الجمعيات وقتها حزب الجمهوريين الذي ينتمي إليه فيون بفصله نهائياً من الحزب، لأن كلامه ذاك يعكس تراجعاً أخلاقياً، وتزييفاً للتاريخ. ولم يعد فيون لإطلاق مثل تلك التصريحات، لكنه لم يتراجع أو يعتذر عنها أيضاً.

فيون والإسلام

في أعقاب هجوم نيس الدامي في 14 يوليو 2016 أصدر فيون كتاب “هزيمة الشمولية الإسلامية” والذي أكد فيه أنه حان الوقت كي “نسمي الأمور بأسمائها الحقيقية، نعم إن منطقتنا تتعرض لغزو دموي إسلامي” واعتبر في كتابه أن “الاجتياح الإسلامي الدامي لحياتنا ينذر بحرب عالمية ثالثة”. ولمواجهة هذا التهديد، يعتزم فور وصوله إلى سدة الرئاسة “إعادة النظر جذريا في مبدأ سيادة الدولة” من خلال عدد من الإجراءات بينها بناء “جهاز استخباراتي فعال” ورفع قدرة استيعاب السجون الفرنسية إلى 80 ألف مكان منها “5 آلاف في مؤسسات ذات حراسة مشددة”.

يطالب فيون بالترحيل الفوري دون إمكانية العودة للأجانب الذين يمثلون تهديدا لأمن البلاد، ويقترح “إسقاط الجنسية ومنع الفرنسيين الذين ذهبوا للقتال في صفوف الإرهابيين من العودة إلى تراب الجمهورية”. ويعتبر أن الشمولية الإسلامية تهدد جزءا كبيرا من العالم وهي شبيهة بالنازية حيث أن لها نفس الأهداف “إرادة فرض تنظيم للمجتمع بالقوة، تنظيم أفقي يراقب الضمائر، ونفس نزعة الإبادة بما أنها تريد إبادة مسيحيي الشرق وطرد اليهود منه”.

ولذلك فإنه يعتزم إنشاء “هيئة توافق بين الدولة والإسلام في فرنسا” تكون مختلفة عن “المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية”. كما يرغب في حظر كل تمويل خارجي لممارسة هذه الديانة وفى نفس الوقت عدم استعمال المال العمومي، فهو يعتبر أن “المسلمين كثيرون كفاية في فرنسا لتمويل عبادتهم”.

مواقف فيون وأفكاره تتقاطع مع مواقف الرئيس الأميركي المنتخب ترامب

تتقاطع مواقف فيون وأفكاره مع مواقف الرئيس الأميركي المنتخب ترامب، والذي يرى في الإسلام عدوّاً مباشراً لبلاده، ولذلك فإنه لن يمانع على الإطلاق في التحالف مع النظام السوري لمحاربة تنظيم داعش الإرهابي، وكلاهما يرى أن روسيا على حق في تدخلها في سوريا، بل ويؤيدان هذا التدخل، وقد لا يتأخران عن الالتحاق به، كما تشير تصريحاتهما حتى الآن على الأقل.

اليسار الفرنسي التائه

ما بين هذا الصعود الذي يوصف بالمفاجئ لفيون مرشح اليمين وصاحب الأفكار المتطرفة، والذي سيجد نفسه في مواجهة مع مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان، يبدو اليسار الفرنسي تائهاً، ولم يستقر بعد على خطته التي سيدخل بها الانتخابات الرئاسية المرتقبة في أبريل المقبل، إذ توصف فترة رئاسة اليسار بقيادة الرئيس الحالي هولاند بأنها واحدة من أكثر الرئاسيات فشلاً في التاريخ الفرنسي، ولا يرى الكثير من المراقبين والمحللين أيّ أمل لليسار في مواصلة الحكم.

فالأعباء الاقتصادية ومعدلات البطالة، وتزاحم الملفات الخارجية، بالإضافة إلى الأعمال الإرهابية التي ضربت فرنسا خلال العامين الماضيين، كل تلك الأوراق أسقطت اليسار من اللعبة السياسية المرتقبة، ولن يبقى أمام الفرنسيين سوى الاختيار ما بين السيء والأسوأ.

وهذا ما يراه عدد من المواطنين الذين التقتهم “العرب” فاعتبر برنارد (65 عاماً) وهو موظف متقاعد وكان سبق له أن انتخب اليسار في الانتخابات الرئاسية الماضية أنه سيكون مضطراً إما لمقاطعة الانتخابات أو الرهان على حصان خاسر حسب تعبيره، فلا يبدو أن اليسار يمتلك حظوظاً للمنافسة.

فيما ترى جولييت (25 عاماً) طالبة دراسات عليا، أنه إذا كان عليها أن تنتخب فإنها تفضل فيون بطبيعة الحال، فهو على الأقل يمتلك مشروعاً لدعم الاقتصاد وتوفير فرص العمل، وهذا ما نحتاجه في بلادنا أكثر من أيّ شيء آخر، أما لوبان فهي تتحدث فقط. ويتفق معها جيرارد الذي أنهى دراسته الجامعية منذ أشهر. أما كاترين المدرّسة المتقاعدة فتقول “نحن أمام كارثة، من المؤلم أن فرنسا وصلت إلى هذه الحال، لم أكن أتخيل أن أسمع سياسيي بلادي يتحدثون بهذه العنصرية. كلهم يتحدثون باسم فرنسا، ولكن هذه ليست فرنسا”.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر