الاثنين 24 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10612

الاثنين 24 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10612

عربة الماضي بحصان الغد

الآن في هذا العصر الجديد تضاف طقوس جديدة مختلفة تزيح الإنسان الفرد من موقع المركزية، وتجعل منه مجرد عقدة معلوماتية في شبكة وسعت العالم.

العرب إياد بركات [نُشر في 2016/12/04، العدد: 10475، ص(11)]

لوحة: ياسر صافي

عندما هبت نيران العنف والتطرف الديني والطائفية وأخذت تُحرق أوصال الجسد العربي، امتدت ألسنة اللهب لتصل قلب أوروبا وأماكن أخرى من العالم، فبدا وكأن الماضي السحيق المنسي، استيقظ من موته وأشهر سيوفه في ساحة الحاضر، أتذكر الكثير من مقولات الحسرة الساخرة في وصف الحالة، كمقولة “حلمنا باللحاق بالمستقبل، إلا أن الماضي لحق بنا”.

ينظر معظم الناس إلى هذه الكائنات الغريبة، التي تطل علينا من قنوات التواصل الاجتماعي بمشاهد التوحش في فيديوهات الإعدامات وكأنها شخصيات تنتمي لألف عام سبقت، إلا أنها في الواقع من إنتاج الحاضر، وفي كثير من المناحي، إطلالات للمستقبل وإن كانت بوجوه بشعة ومرعبة.

إنهم ينتمون لعصر جديد بدأ لتوه في الانتشار، يتشكل يوميا وبتسارع مدفوعاً بتكنولوجيا الاتصال والإنترنت والمواصلات الحديثة.

هذا العصر وسمته صحيفة النيويورك تايمز بـ”عصر السلوك”، ففي القرون الوسطى كانت الولاءات والهويات تعرّفها الديانات، ثم انتقلنا، مع نشوء الدولة القومية في أوروبا إلى عصر آخر، وأصبحت الأعراق والإثنيات هي أساس الولاء وتعريف الهوية، ثم انتقلنا إلى عصر العولمة الذي نعيشه الآن وأصبح الولاء والهوية تعرّفها المواطنة، فمن الطبيعي أن يكون البريطاني إيطالي مسلم أو يهودي أو مسيحي، ولكن مواطنته في بريطانيا هي ما يحدد ولاءه وهويته.

هكذا تشكلت حركات المجتمع في الماضي، أولاً على أسس دينية، ثم إثنية، ثم وطنية والآن يبزغ فجر عصر أساسه السلوك، حيث تتشكل حركات مجتمعية عابرة للجغرافيا والتاريخ، على شاكلة داعش، ما يجمع بين أفرادها ويوحدهم هو السلوك المشترك، واستعدادهم للالتزام بسلوكيات متعارف عليها، عشرات الآلاف من المقاتلين من إسلامات وإثنيات وقوميات وأوطان مختلفة هبطوا على سوريا والعراق وليبيا وسيناء، في حركة، يسمونها دولة، ظاهرها الدين وتعريفات وشعارات قديمه وباطنها أدوات العصر مع تعبيراتها وتأثيراتها الحديثة.

القلة التي تمكنت من اختراق بعض هذه المجموعات، ونجت من الموت لتروي قصصها وانطباعاتها، عبرت عن دهشتها بأن أفراد هذه الحركات ليسوا متدينين فعليا، بل إن أحد الصحافيين الألمان، والذي هرب من براثن داعش، خرج بانطباع أن هؤلاء الناس لا يعرفون عن الدين إلا ما قلّ ودلّ، يعرفون قليلا من الأحاديث والآيات لا لذاتها ولكن لتبرير السلوك.

جيل القاعدة والإنترنت
الجيل القديم من القاعدة كان يدرك أهمية التلفزيون والإعلام، ففي رسالة أرسلها أيمن الظواهري للزرقاوي “إننا في معركة، وإن أكثر من نصف هذه المعركة يدور في ميدان الإعلام، وإننا في معركة الإعلام في سباق على قلوب وعقول أمتنا، وإننا مهما بلغت إمكانياتنا فلن تساوي واحدا على الألف من إمكانيات مملكة الشيطان التي تحاربنا”.

عام 2010، ومن مخبئه في اليمن، صوّر أنور العولقي آلاف الفيديوهات باللغة الإنكليزية ونشرها على يوتيوب يحث غيره من الشباب على الجهاد، وأصبح العولقي نجما من نجوم يوتيوب بعشرات الآلاف من المتابعين.

فعليا لم يكن يهدي أتباعه للدين بل كان يعظ جمهوره لممارسة “سلوك” عنيف مغلّف بقناع ديني.

كان يكرر أن عليهم صناعة الفيديوهات، وكتابة وصفات صناعة القنابل والتكتيكات القتالية ونشرها عبر الإنترنت بين الناس، كان يدعوهم لسلوك الإرهاب حتى لو اضطروا لخيار الذئاب المنفردة.

أنور كان شاباً أميركيا من أصول يمنية، حسب وصف والده له بعد مقتله بقصف طائره دون طيار “إن أنور مجرد ولد أميركي عادي”.

في خطاب له عام 2010، قال الرئيس العام للاستخبارات البريطانية “إن العولقي يشكل تهديدا وخطراً كبيراً لكثرة عدد جمهوره ومتابعيه في الغرب وخصوصاً بريطانيا. تأثيره يتسع ويكبر يوماً بعد يوم بسبب استخدامه للغة الإنكليزية في الفيديوهات التي ينشرها، مما يجعل من رسالته أكثر سهولة للاستيعاب من قبل الجمهور الغربي”.

كان العولقي ابن عصره ويمارس كل طقوسه ومعتقداته بحرفية، فبالنسبة إليه كانت تعاليم الدين الإسلامي تحتل الدرجة الثانية بعد تعاليم العصر الحديث الخاصة بالتسجيل والتحميل والنشر على الإنترنت.

أنور العولقي أسس ونشر حركة “سلوكية” لقيت رواجاً كبيرا بين الآلاف من أفراد جيله ممن ولدوا وترعرعوا في عصر الإنترنت، وقد أدت إلى ظهور داعش بعد سنوات قليلة من مقتله.

هذه الحركات وإن كانت راياتها وشعاراتها دينية، إلا أنها كغيرها من الحركات والمجتمعات السلوكية الآخذة في التشكل بكل أنحاء العالم، مثلها كمثل الحركات اليمينية العنصرية في أوروبا، والتي كانت في الماضي تتشكل على أسس دينية وإثنية. والآن تجد اليميني المتطرف البريطاني يلتقي مع أقرانه من حركات التطرف العنصرية في هولندا وألمانيا وباقي الدول الأوروبية، يخططون سويّا ويسافرون ويلتقون ويتّحدون رافعين رايات العنصرية.

ظاهرة تبدو للوهلة الأولى لا منطقية، لأن نفس هذه التيارات أشعلت خلافاتها في الماضي أوروبا، فنفس القوى ذات النزعات الانفصالية التي تحارب فكرة الاتحاد الأوروبي والسوق المشتركة تتّحد الآن وتضع جانبا أسس خلافات الماضي واختلاف الديانات والإثنيات، جاعلة القاسم المشترك بينها السلوكيات العنصرية ضد الأقليات المختلفة في اللون والدين والعادات والتقاليد.

في سوريا والعراق، فشلت الدولة والنظام في اللحاق بالعصر وبناء دول حديثة على أسس المواطنة، وتشبثت بخليط هجين من أسس مختلفة، كانت فعاله لبناء المجتمعات في حقب ماضية، مثل الأسس الدينية (الطائفية) التي تنتمي للقرون الوسطى، أو الأسس القومية والإثنية ابنة القرن التاسع عشر. هذا الفشل أدى إلى إشعال الثورات التي مع مرور الوقت أحدثت فضاءات فارغة مكنت الآلاف من الأفراد من التدفق عليها لملئها من بقاع العالم المختلفة، وبناء كيان السلوك الداعشي.

سهل جدا أن يدفعنا الكسل الذهني للتركيز على الماضي وأمواته من ابن تيمية وابن قيم الجوزية، وغيرهما من أئمة العصور الغابرة، دون البحث في التغيرات العميقة التي تسببها التكنولوجيا مثل الإنترنت وغيرها، تغيرات تصيب الأفراد والمجتمعات، وتعبيراتها تظهر في الأوان مختلفة، وأحيانا على شاكلة داعش.

عصر الإنترنت والاتصال الذي نعيشه يؤدي لظهور معتقدات بل وديانات جديدة تناسبه. بالضبط مثلما أدت الثورة الزراعية قبل 12 ألف عام لظهور ديانات جديدة بطقوس جديدة، كذلك عصر الثورة الصناعية أتى بديانات ومعتقدات جديدة حلت محل الديانات السابقة وإن بشكل جزئي. فغالبا ما نعتقد أن كل دين يقوم على عبادة إله ما، إلا أن هناك ديانات ومعتقدات مختلفة، فالدين الحالي الأكثر انتشارا في العالم ويجلس جنبا إلى جنب مع الديانات التقليدية القديمة، داخل نفس المجتمع، بل وداخل نفس الشخص، هو دين الأنسنة ومعتقداته التابعة مثل حقوق الإنسان والكرامة والدولة المدنية وغيرها.

دين الأنسنة اعتقاد تجد كلاّ من المسلم والمسيحي والملحد يتبناه ويزاوجه مع معتقداته الدينية الأخرى، ونفس الفرد يُفعّل مُعتقدا ويعطل آخر حسب لزوم المناسبة، يمارس طقوس كل دين على حدة.

عصر الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي يضيفان حاليا طقوسا ومعتقدات جديدة لدين الأنسنة، إذ أنه قبل انتشار دين الأنسنة كان المجتمع وكل قواه تحث الفرد على الصلاة والزكاة وممارسة طقوس كلها مصممة للتعبير عن ارتباطه بقوة كونية عظمى وتحديد موقعه المتواضع من هذه القوة.

ففي بداية انتشار دين الأنسنة، تغيرت الطقوس أو أضيفت طقوس جدية. فللتعبير عن مركزية الإنسان ذاته في هذا الكون وترسيخ معتقدات الأنسنة نجد أن كلّ فرد مهم من خلال تجربته وخبرته، كما أن رؤيته مهمة وفريدة، وقد كانت الأسرة والمدرسة والوظيفة كلها تشجع وتحث الفرد على اقتناء “مفكرة” يكتب فيها كل ما يخطر بباله وكل ما يحلم به ويخطط له للمستقبل.

والآن في هذا العصر الجديد تضاف طقوس جديدة مختلفة تزيح الإنسان الفرد من موقع المركزية، وتجعل منه مجرد عقدة معلوماتية في شبكة وسعت العالم (الإنترنت)، وواجباته الدينية الجديدة هي كالتالي “سجل ثم حمل ثم شارك”، فأيّ فكرة تخطر ببالك، وأي تجربة تقوم بها وأي مشاهدة تراها، عليك بتسجيلها إما كصوت أو نص مكتوب أو فيديو مصور، وواجبك الثاني هو أن تقوم بتحميلها سريعا على أحد المواقع في الإنترنت، والواجب الأخير هو أن تـشارك بها أكبر عدد مـمكن من الـناس.

المشاهد والمتابع لطقوس أفراد داعش في سوريا والعراق، يجد أكثر طقوس الدين الحديث بدلا من طقوس الدين القديم، فإن صلّوا أحيانا حسب طقوس الإسلام فإنهم يمسكون بهواتف ذكية وكاميرات وأجهزة كومبيوتر دائماً لتسجيل تجاربهم وأفكارهم وآرائهم وتحميلها على الإنترنت بآي ثمن ومشاركتها مع أكبر عدد الناس، وحتى وإن ادّعوا أنهم من أتباع الدين القديم والسلف الصالح، إلا أنهم أكثر تمسكاً بالدين الجديد وطقوسه الحديثة.

قد يتوهمون ويوهمون الناس معهم، أن “دولة الخلافة” تقام حسب عصر ذهبي مضى، إلا أنها تجربة مستعجلة وساذجة لـ”دولة السلوك” التي لم يحن عصرها بعد.

في الحضارة الإنسانية، تاريخيا وحاضرا ومستقبلا، تقاطع فكرتين أو اختراعين أو اكتشافين يصنع معجزات، وأحيانا كوارث ومصائب، في حين قد تفشل كل فكره في أحداث أيّ أثر إن بقيت لوحدها دون تقاطع. تقاطع الإرث الديني المحلي السائد في الشرق الأوسط بأفكاره ومعتقداته وطقوسه، مع عصر الإنترنت والاتصال أنتج توحشا على شكل داعش وغيره من الحركات المتطرفة.

ينشر الملف بالاتفاق مع الشهرية الثقافية اللندنية "الجديد"

كاتب من فلسطين مقيم لندن

إياد بركات

:: مقالات أخرى لـ إياد بركات

إياد بركات

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر