الثلاثاء 28 مارس/اذار 2017، العدد: 10585

الثلاثاء 28 مارس/اذار 2017، العدد: 10585

بريطانيا تفتح أول هوة في جدار الخصوصية الفردية المنيع

  • أعاد إصدار البرلمان البريطاني لحزمة قوانين تعطي أجهزة الحكومة صلاحيات غير مسبوقة جدلا قديما جديدا حول الخصوصية والحريات الفردية وحول الأمن الوطني والمجتمعي. تحديات عديدة لم تواجهها الإنسانية وأنظمتها المجتمعية ولا الأفراد من قبل باتت تفرض نفسها بقوة في ظل التطور العلمي وتسارع التقدم التكنولوجي غير المسبوق.

العرب إياد بركات [نُشر في 2016/12/06، العدد: 10477، ص(13)]

الانقضاض الوشيك

صوت البرلمان البريطاني على القانون الجديد نهاية الشهر الماضي وأصدرت الملكة إليزابيث مرسوما ملكيا مما جعل منه واقعا جديدا بخيره وشره والعشرات من التحديات التي يفرضها على الجميع. القانون الجديد المعروف “بقانون قدرات التحقيق” يطلق أيادي العشرات من أجهزة الحكومة المتنوعة لاختراق الهواتف وأجهزة الكمبيوتر، ودراسة وفحص وتنقيب قواعد بيانات هائلة عامة لاصطياد المعلومات والأدلة التي قد تدين الأفراد والمؤسسات.

يعطي القانون الجديد سلطة هائلة لأجهزة الدولة لإجبار الشركات المزودة لخدمات الإنترنت والاتصالات، ومن دون مذكرة قضائية، تقديم كل المعلومات التي بحوزتها عن كل موقع إنترنت زاره أي شخص وكل تطبيق استخدمه.

يجبر القانون الجديد كل الشركات سابقة الذكر على تخزين كل البيانات والتفاصيل عن عادات التصفح والاتصال للجميع لمدة عام. ويفرض القانون على تلك الشركات أن تنظم وتخزن كل البيانات في قاعدة بيانات واحدة وإعطاء الأجهزة الحكومية إمكانية الدخول والبحث في هذه البيانات بسهولة عند الحاجة.

وهذا القانون يجعل بريطانيا الدولة الثانية بعد روسيا التي تعطي أجهزة الأمن فيها مثل هذه السلطات والقدرات الشاملة لجمع المعلومات ومراقبة الجميع. العديد من الدول الغربية غيرت من قوانينها وأعطت صلاحيات أكثر من قبل بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر والهجمات الإرهابية التي ضربت أوروبا إلا أنها لم تصل بعد للصلاحيات التي أعطيت للأجهزة الحكومية البريطانية.

ويعتبر القانون الجديد تحديا كبيرا للأنظمة الديمقراطية مثل بريطانيا ومجتمعاتها التي اعتادت على قدر كبير، يصل حد التقديس، للخصوصية والحريات الفردية وغيرها من مفاهيم الليبرالية الديمقراطية التي تعتبر المحرك الأساسي للتقدم العلمي والازدهار الاقتصادي الذي حققته في العقود الماضية.

ويحتج النشطاء والمدافعون عن الخصوصية والحقوق الفردية على القانون ويطالبون بأن تمنح مثل هذه القدرات للأجهزة الأمنية فقط في حال وجود أدلة وشكوك حقيقية بوجود نشاط غير قانوني أو نية للقيام بعمل إرهابي.

ويعترض الكثيرون أيضا على نية أجهزة الحكومة استعمال أساليب تقنية جديدة لا تعرف عواقبها بعد مثل إخضاع قواعد بيانات ضخمة للبحث عن أدلة وروابط بين أحداث وتصرفات متفرقة.

إريك فيرغسون: نحن نتحرك بسرعة فائقة نحو عالم يتم فيه التنبؤ بالجريمة والمعاقبة عليها قبل أن تحدث

لكن أغلب النشطاء والمدافعين عن حقوق المواطن يتفهمون أيضا الاحتياجات الأمنية، ولا يريدون تكبيل أيدي الأجهزة الأمنية في حربها ضد الجريمة المنظمة والإرهاب الذي يستخدم تقنيات حديثة ومتطورة، ويدركون أن الأجهزة الأمنية تواجه تحديات غير مسبوقة ولا تستطيع مواكبة التطورات التقنية المتسارعة في حوزة جهات لا تريد الخير تسعى إلى زعزعة استقرار الدول والمجتمعات، ولكنهم يعترضون على الصلاحيات الواسعة التي أعطيت لأجهزة حكومية، لا تعمل في الأمن وحماية المواطن، مثل الهيئات الضريبية والصحية وغيرها لفحص بيانات الملايين من الناس دون وجود أي شك مسبق بتجاوزهم للقوانين.

وتقول كاثرين وين، المتخصصة بأمن المعلومات، لصحيفة فينانشيال تايمز “التحدي الأكبر للمجتمع هو إيجاد توازن صحي بين الحاجة للخصوصية والأمن، ومازلنا لا نعلم ما هو القدر المطلوب والمثالي لتحقيق هذا التوازن الذي يجب إعطاؤه لأجهزة الرصد والمراقبة. صحيح أن التقنيات تتطور بسرعة كبيرة، ولكن من السهل جدا أن نتعدى الحدود الضرورية ونصل إلى حد التطفل والتدخل الزائد في حياة الأفراد”.

وتوفر هذا الكم الهائل من المعلومات والبيانات في أيدي الأجهزة الحكومية هو تحد هائل لهذه الأجهزة أيضا، فبالإضافة إلى التحديات التقنية التي ستواجهها في مجال التخزين وتأمين هذه البيانات ضد عبث قراصنة الإنترنت، هناك التحدي الأكبر في حاجة هذه الأجهزة الأمنية لعدد هائل من الموظفين والمتخصصين وقدرات بشرية هائلة لكي تتمكن من فهم ما تعني هذه البيانات.

هذا التحدي بالذات سيجبر الأجهزة الحكومية على توظيف خوارزميات الذكاء الصناعي لكي تقوم بهذه المهمة الصعبة والمعقدة جدا، ومع أن هذه التقنيات أصبحت تقنيات واعدة وعلى درجة عالية من التطور إلا أنها تحتاج إلى المزيد من الدراسة والتأمل في تأثيراتها المستقبلية على حياة الأفراد والأنظمة المجتمعية السائدة وحتى طبيعة الإنسان المستقبلية.

وحتى الآن استخدمت مثل هذه التقنيات في مجالات البحث العلمي ومن قبل شركات مثل فيسبوك وغوغل وغيرها لدراسة المجتمعات وأنماط التصرف البشري، لكن استخدامها من قبل هيئات جمع الضرائب والهيئات الصحية يعتبر أمرا مختلفا لما قد يعنيه من تداعيات مباشرة على حياة ومستقبل المواطن والإنسان العادي.

ويقول ريك فيرغسون، نائب رئيس شركة تريند مايكرو لأمن المعلوماتي، “القانون الجديد يعطي وبسهولة صلاحيات واسعة لأعداد كبيرة من الناس إمكانية الوصول إلى معلومات خاصة، سنكون في عالم جديد بحيث تقوم الخوارزميات باتخاذ القرارات بدلا من الإنسان، نحن نتحرك بسرعة فائقة نحو عالم يتم فيه التنبؤ بالجريمة والمعاقبة عليها قبل أن تحدث”.

العديد من الحكومات غير الحكومة البريطانية أصبح لديها هاجس حقيقي من تعاظم القدرة الهائلة لشركات التكنولوجيا العملاقة مثل غوغل وتويتر وفيسبوك، وقدرة هذه الشركات على فهم المجتمع والمواطن في بلد ما أكثر من حكومة وأجهزة الدولة في ذلك البلد.

غوغل مثلا يستطيع الآن التنبؤ بانتشار موجة إنفلونزا في لندن ثمانية أيام قبل حدوثها، في حين أن الهيئات الصحية في بريطانيا لا تستطيع القيام بذلك لكي تستعد مسبقا. غوغل يتمكن من التنبؤ بذلك، وبدرجة عالية من الدقة، بسبب قدرته على تحليل الملايين من المعلومات والبيانات التي يتبادلها الناس عبر الإيميل وعمليات البحث في محركه للبحث، فمثلا لو لاحظ تصاعدا في عدد الإيمالات التي يرسلها الموظفون لأماكن عملهم بطلبات إجازة مرضية وأيضا تصاعد عدد الناس في لندن الذين يستخدمون غوغل للبحث عن وصفات تخفيف أعراض الإنفلونزا، يستنتج غوغل أن موجة الإنفلونزا تنتشر في لندن وقد تصل إلى حد الوباء في الأيام القادمة.

يستطيع فيسبوك أيضا أن يتنبأ بأحداث كثيرة على المستوى الفردي والمجتمعي والعالمي قبل حدوثها من خلال التحليل المستمر لنشاط حوالي 1.8 مليار مستخدم.

مركز القوة والسيطرة يتحول تدرجيا ويميل في صالح الشركات التجارية والتقنية العملاقة وبعيدا عن أجهزة الدول وحكوماتها وهيئاتها المختلفة.

تحديات وجودية كبرى ستواجه العديد من أنماط ونظم الحكم المجتمعية التي اعتاد عليها الناس حتى الآن. المعلومات والمعرفة والقدرة على التنبؤ بأحداث وظواهر مستقبلية قوة عظيمة هائلة تعطي من يملكها تفوقا نوعيا في كل المجالات المختلفة سواء كانت علمية أو اقتصادية أو حتى عسكرية وأمنية.

وقد تستعمل الدول والحكومات المختلفة الإرهاب والجريمة المنظمة لتبرير الحصول على هذه البيانات الكبيرة، لكن هدفها أيضا ألا تصبح أضعف من هذه الشركات ومن الدول التي تتمركز فيها مثل أميركا.

وتسعى الحكومة البريطانية لتطبيق قانونها الجديد على شركات تعمل في بلدان أخرى في العالم، فلا يكفي أن تكون تلك الشركات ملتزمة بقوانين البلد المسجلة فيها ستطالب بتطبيق قوانين بريطانيا وإعطاء أجهزتها الحكومية المعلومات التي تطلبها إن أرادت أن تبقى تعمل في السوق البريطانية.

مواقع التواصل تتنبأ بالأحداث قبل وقوعها

شركات سيليكون فالي في أميركا تعارض القانون البريطاني الجديد وغالبا ستقدم دعاوى وتحديات قانونية للحد منه قدراته. وتتذمر هذه الشركات من أن القانون الجديد يطالبها بإضعاف تقنيات التشفير للحفاظ على أمن معلومات زبائنها ومستخدميها، وخصوصا في برامج المحادثات مثل واتس آب وفيسبوك ماسينجر وغيرها.

وبموجب القانون الجديد، ستكون هذه الشركات مطالبة بوضع “بوابات خلفية” وفتح ثغرات في برامجها لكي تتمكن الأجهزة الحكومية من مراقبة المحادثات. لكن شركات التكنولوجيا تصر على أن هذا الأمر سيجعل الملايين من الناس عرضة لهجمات القراصنة ومهددين بخاسرة معلوماتهم وخصوصياتهم وممتلكاتهم الخاصة. وقبل إصدار القانون الجديد صدر بيان عن مجموعة من الشركات مثل مايكروسوفت وفيسبوك وياهو وغوغل وتويتر قالت فيه “نحن نرفض أي مشروع قانون يطلب يشترط أن نقوم عمدا بإضعاف خصائص الأمن والخصوصية في أي من منتجاتنا”.

وتجادل هذه الشركات بأن القانون البريطاني سيشجع ويكون بمثابة سابقة قانونية للعديد من الحكومات والأنظمة حول العالم مثل الصين وروسيا وإيران لسن قوانين مشابهة.

وسيضع أي تبن عالمي لمثل هذه القوانين حول العالم وبشكل انفرادي وانتقائي من قبل حكومات مختلفة وأحيانا متنازعة شركات التكنولوجيا أمام تحديات مصيرية، وقد يعطل التطور التكنولوجي المطلوب للتنمية الاقتصادية في عالم باتت ثرواته ومصادره الطبيعية أكثر شحا من أي وقت مضى.

الحكومة البريطانية لديها الكثير من القوانين والأنظمة والتقاليد التي تضمن توازنا صحيا بين احتياجات الخصوصية الفردية لمواطنيها والاحتياجات الأمنية لأجهزتها، وبين رغبتها في تشجيع التطور العلمي والتكنولوجي، ومثل هذا التوازن ليس بالضرورة متوفرا في الكثير من الأماكن حول العالم مما يثير قلق وحفيظة الكثير من الحقوقيين والمتحمسين لمستقبل تتمكن فيه التكنولوجيا من إيجاد حلول لمشكلات الإنسان وتفتح آفاقا جديدة للتقدم والازدهار.

تاريخيا هذه ليست المرة الأولى التي تقدم فيها بريطانيا سابقة شكلت منعطفا تاريخيا وحاول الجميع اللحاق وتقليدها بعد سنوات أو عقود. حتى الآن كان الصراع على مفاتيح المستقبل التكنولوجي والذكاء الصناعي وبيانات المعلومات الضخمة يجري ويحتدم بين شركات عديدة حول العالم أغلبها أميركية، بغطاء الاحتياجات الأمنية. دخلت الدولة البريطانية ميدان المنافسة والتحدي المستقبلي فاتحة الباب لباقي الدول للولوج خلفها.

نحتاج إلى نقاش عالمي كبير تشارك فيه كل المستويات والمراكز العلمية والدولية لفهم التغيرات الكبيرة القادمة ومحاولة مواجهة تحدياتها المستقبلية. المواطنون والأفراد، وخصوصا من المثقفين والمختصين من مختلف المجالات، الذين يحتاجون للمتابعة والدخول في هذا النقاش والمشاركة في تشكيل المستقبل الزاحف، القانون البريطاني ومعارضة الحقوقيين وشركات التكنولوجيا له يشكل منصة وبيئة يمكنها أن تكون صحية لحمل هذا النقاش والجدل والتقدم به لصالح المواطنين والأفراد والدول.

محلل تكنولوجي

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر