الاحد 20 اغسطس/اب 2017، العدد: 10728

الاحد 20 اغسطس/اب 2017، العدد: 10728

بوتين أحرق حلب وبكاها العرب

حتى يعود الهدوء للعالم ويعرف يمينه من يساره، وتعود عجلة السياسة الدولية لتسير من جديد، فإن حلب ستظل مشتعلة، فليس ثمة من يطفئ حرائقها ولا من ينقذ نساءها وأطفالها.

العرب ثائر الزعزوع [نُشر في 2016/12/08، العدد: 10479، ص(8)]

لم يكن مستغربا أن يرفع المندوب الروسي الدائم في الأمم المتحدة ذراعه مستخدما حق النقض الفيتو، وأن يحذو حذوه المندوب الصيني خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي لإيقاف تمرير مشروع قرار إنساني مصري نيوزلندي إسباني. كان يقترح هدنة مدتها سبعة أيام فقط يتم خلالها إيصال المساعدات للسكان المحاصرين في القسم الشرقي من مدينة حلب.

وقد بررت روسيا رفضها لمشروع القرار كما في مرات سابقة بأنه لا يفي بالغرض، واستطرد وزير خارجيتها ليقول إن اتفاقا لخبراء روس وأميركيين يبحث عن حل سينهي الأزمة بشكل كامل، وقد أُعلن لاحقا أن الخبراء لم يتفقوا، بدلا من هدنة تتيح الفرصة للمقاتلين ليستعيدوا قواهم التي خسروها منذ أن أطلقت موسكو ومعها نظام دمشق حملتهما العسكرية الأخيرة، التي وصفت على مستوى عالمي بأنها الجحيم مجسّدا في حلب.

لا يبدو مجديا الحديث عما حدث خلال الجلسة الأخيرة والاستنكار الذي أطلقته بعض العواصم الغربية تحديدا والتي تبدو غير قادرة، وربما غير راغبة في البحث عن أساليب مختلفة تكون أكثر نجاعة من مجلس الأمن الذي باتت روسيا تعتبره، منذ قرابة ست سنوات، سلاحها المفضل لصفع المجتمع الدولي والضمير الإنساني كلما أتيحت لها الفرصة لفعل ذلك. ولعل استعادة شريط الجرائم الروسية في سوريا والذي تميل بعض وسائل الإعلام لمقارنته بالجرائم التي ارتكبها ويرتكبها تنظيم داعش، لن تكون مجدية أيضا، فالأمر بات واضحا للجميع.

بل إن موسكو نفسها لا تمانع من التفاخر بما تقوم به من جرائم تؤكد قدراتها العسكرية، وتفوق آلتها التدميرية في مواجهة فصائل وكتائب لا تمتلك أي وسيلة للرد على ذلك القصف الجوي المتواصل وغير المسبوق، وخاصة بعد أن وقفت واشنطن، ومنذ سنوات، سدا منيعا أمام أي محاولة لتمرير مضادات للطيران لخشيتها من أن تقع في أيدي جماعات متطرفة. كما عللت ومازالت تعلل، وقد رفضت الكتائب والفصائل المعارضة، في أعقاب مفاوضات مع ممثلين عن الإدارة الروسية في العاصمة التركية أنقرة، الانسحاب وإخلاء حلب مشترطة انسحابا روسيا إيرانيا بالمقابل، إلا أن ذلك لن يتحقق، ما يعني بالضرورة المزيد من القتل والتدمير والتهجير.

لكنه قد يعني أيضا حرب عصابات طويلة الأمد لا تريد روسيا لها أن تحدث، فهي تعرف تماما أن قوات النظام والميليشيات الطائفية الموالية لها لن تستطيع تحقيق أي انتصار على الأرض، إن لم يكن مدعوما بغطاء جوي كثيف، وهذا لن يكون ممكنا في حال المواجهة المباشرة على الأرض. ثم إن موسكو تسابق الزمن لحسم موضوع حلب قبل أن يحدث التغيير المرتقب في واشنطن، وتبدأ حقبة جديدة في السياسة الأميركية لا يستطيع أحد التكهن بملامحها الخارجية، رغم الخطوط العريضة التي أعلن عنها الرئيس المنتخب دونالد ترامب خلال حملته الانتخابية والتي تؤيد التوجهات الروسية، بل ربما لا تستبعد التحالف مع موسكو في حربها على ما تسميه كلتاهما الإرهاب.

على الضفة الأخرى تبدو أوروبا في حالة من التردد السياسي، فهي لا تستطيع التصرف منفردة بعيدة عن الحليف الأميركي خاصة وأن كبرى دولها قد تشهد تحولات جذرية مع صعود اليمين في فرنسا وإعلان مرشحه فرنسوا فيون أنه يوافق على السياسة الروسية. وكذلك تفعل زعيمة اليمين المتطرف والمرشحة المحتملة للرئاسة الفرنسية مارين لوبن التي لا تخفي تأييدها لترامب وبوتين على حد سواء، فيما تخشى المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل أن تبقى وحيدة في حال تمكن اليمين الفرنسي من حسم المعركة الرئاسية لصالحه، وهي بدورها تستعد لخوض معركة انتخابية قد تحمل متغيرات لا تحبذها، وربما لا تريد التفكير فيها على الإطلاق.

بالمقابل فإن المملكة المتحدة مازالت منشغلة بترتيب بيتها الداخلي والخارجي في آن معا بعد التداعيات التي خلفها وسوف يخلفها لاحقا خروجها من الاتحاد الأوروبي.

هذه الساحة الدولية المرتبكة يفضلها بوتين لتنفيذ سياسة الأرض المحروقة التي ينتهجها في سوريا منذ بدء التدخل الروسي المباشر قبل أكثر من عام، وكانت نتائجها كارثية على المدنيين وعلى الجغرافيا السورية، وسوف تستمر تلك الحصيلة بالتصاعد ما دامت روسيا قادرة على فعل ما تريده دون أن يستطيع أحد ردعها، أو حتى التفاوض معها على أنصاف حلول.

وحتى يعود الهدوء للعالم ويعرف يمينه من يساره، وتعود عجلة السياسة الدولية لتسير من جديد، فإن حلب ستظل مشتعلة، فليس ثمة من يطفئ حرائقها ولا من ينقذ نساءها وأطفالها، وقد تكون جلسة مجلس الأمن الدولي التي شهدناها مطلع هذا الأسبوع آخر جلسة يرد فيها اسم مدينة حلب تلك التي كانت حتى وقت قريب واحدة من أقدم مدن العالم. وقد يكتب المؤرخون مستقبلا: بوتين أحرق حلب، ثم بكى عليها العرب.

كاتب سوري

ثائر الزعزوع

:: مقالات أخرى لـ ثائر الزعزوع

ثائر الزعزوع

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر