الخميس 23 مارس/اذار 2017، العدد: 10580

الخميس 23 مارس/اذار 2017، العدد: 10580

المزاج الشعبوي

الشعبوية طاقة هائلة تحقق أحيانا بعض الإيجابيات، لكنها في أغلبها مدمرة، ولا يمكن السيطرة على مسارها وقد لا يكون التراجع عنها ممكنا.

العرب إياد بركات [نُشر في 2016/12/08، العدد: 10479، ص(24)]

كانت أثينا الجمهورية الديمقراطية الأولى في التاريخ عندما ثارت إحدى مدن جزيرة لاسبوس على حكمها تم استرجاع المدينة بالقوة وإخضاعها من جديد.

عمت الشعبوية أثينا، موجة ممزوجة بنشوة النصر والغل على المتمردين المهزومين، وفي خضم خطابات النصر للسياسيين والخطباء البارعين بفنون صناعة الشعارات وتحريك الجماهير، وضع مصير المدينة المتمردة وسكانها تحت رحمة مواطني أثينا الديمقراطيين، فكان القرار بأن تقوم أثينا بذبح كل رجال المدينة المتمردة، وبيع كل نسائها وأطفالها كعبيد، صوتوا بشكل ديمقراطي وأنهوا احتفالات النصر وذهبوا للنوم.

وعندما أفاقوا في اليوم التالي، هبت الشعبوية مرة آخرى في أوصال أثينا، هذه المرة على شكل إحساس بالذنب لبشاعة الخيار الديمقراطي الذي صوتوا لصالحه بالأمس، وقرروا إعادة التصويت وبدلوا رأيهم وقرارهم الأول بقرار آخر يقضي بذبح بعض الرجال وليس كلهم وترك النساء والأطفال وشأنهم.

الشعبوية طاقة هائلة تحقق أحيانا بعض الإيجابيات، لكنها في أغلبها مدمرة، ولا يمكن السيطرة على مسارها وقد لا يكون التراجع عنها ممكنا.

إن كانت بعض الأمور سيفا ذا حدين، فالشعبوية غابة من السيوف يمكنها أن تفتك بمجتمعات كاملة، وهي ظاهرة بشرية قديمة وباقية ما بقيت الحضارة ولا تخص مكانا أو شعبا دون آخر.

هناك تزايد كبير في الشعبوية خصوصا الشعبوية السياسية في العالم الغربي في العقدين الماضيين، شعبوية أطاحت بحكومات وجعلت مرشحين غير متوقعين ينتصرون في الانتخابات، أَخرجت بلدانا من اتحادات قوية وجعلت الملايين من أبناء الأقليات والمهاجرين يشعرون بالخوف وعدم الاستقرار.

في عصر أصبحنا جميعنا إعلاميين وسياسيين، نستخدم كل أدوات العصر التي تقربنا من بعضنا وتجعلنا في حالة اتصال مستمر، يتوجب علينا الحذر، فلا يكفي أن ننآى بأنفسنا عن نشر الإشاعات والأخبار الكاذبة والتلاعب بمشاعر الناس والجماهير، بل وفي الكثير من الأحيان من واجبنا أن نمتنع أن نكون الجمهور، كي لا نتحول إلى ذرات مسلوبة الإرادة في موجات من الشعبوية.

الحد من الشعبوية والامتناع عن الإنخراط فيها ليسا بالأمر السهل ويزدادان تعقيدا مع مرور الوقت، فنحن مبرمجون أن نكون معا وأن نتجمع، هكذا صُنعت المجتمعات وبنيت الحضارات، مجرد أن نكون جزءا من مجموعة يشعرنا بالغبطة.

أدمغتنا تتطور وتنضج من خلال التفاعل مع بعضنا البعض وإلا أصبحت مشوهة. هذه الخاصية كانت إستراتجية النوع البشري الأساسية في الحفاظ على البقاء والاستمرار، وهي ما يجعل من الشعبوية طبعا وطبيعة لا يمكن وقفهما.

أدوات التواصل العصرية صممت لتكون اجتماعية تتغذى على الشعبوية، هذا هو سر نجاحها، لكن هناك مسؤولية ملحة تقع على الجميع، علينا أن نعرف أكثر، أن ندقق أعمق وأن نعي طبيعة الشعبويات التي نشارك فيها، فأحيانا لا تكون هناك فرصة ثانية لتصويت جديد كما كان في أثينا قبل الميلاد.

إياد بركات

:: مقالات أخرى لـ إياد بركات

إياد بركات

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر