الاحد 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10817

الاحد 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10817

هل انتهت علاقة الشعر بالشعب حقا

المجتمعات الأكثر تصنيعا وتلك التي صارت تلقب بالمجتمعات ما بعد الصناعية لا تزال تحتفظ بطقوس الثقافة الشعبية التي تخلق العوالم الأسطورية الجديدة.

العرب أزراج عمر [نُشر في 2016/12/09، العدد: 10480، ص(15)]

يطرح الفيلسوف الفرنسي المعاصر جاك رانسيير قضية مهمة للنقاش ويزعم أنه لا وجود لعلاقة بين الشعر وبين الشعب في عصرنا هذا. يستند رانسيير إلى عدة حجج لتسويغ موقفه النقدي منها أنه يرى أن هناك الشعر الساذج الذي لم يكن في الماضي البعيد نشاطا منفصلا عن نشاطات المجتمع. وبهذا الخصوص يؤكد أن هذا النمط من الشعر هو شيء من الماضي وهو قد وصل إلى ذروة ازدهاره حينما كان ” الطقس الديني يتطابق مع الاحتفاء بالجماعة المدنية”، وعندما كانت الكتابة الشعرية شديدة الارتباط بمجمل طقوس الحياة حيث “لايفصل تاريخ الأجداد عن تاريخ الآلهة الأسطورية”.

ففي تقديره فإن هذا الشعر الساذج “القائم على شعرية الحياة نفسها لم يعد ممكنا لأن نثر المصالح المادية ، نثر الادارة والفكر العلمي قد ابعد نهائيا الأعراس القديمة للشعر والأسطورة والحياة الجماعية”.

أما الحجة الثانية التي يتذرع بها رانسيير فتتمثل في قوله بأن سيادة ” الذهية التحليلية، التي تفصل علة الأسطورة عن الحكاية التخلية ، هي تعبير عن عالم تنفصل فيه الوظائف، ولم تعد تقوم فيه الدولة على نسب متحدَر من نسل الآلهة وإنما على حاجات عقلانية تتعلق بإدارة السكان، وانتزعت قوى الصناعة الطبيعة من أيدي الجنيات وآلهة الأريافأ ودفعت قوانين قيمة السوق القيم الأخرى إلى دائرة السلوك الفردي”.

لاشك أن تبريرات رانسيير صحيحة بنسبة كبيرة إذا طبقنا أفكاره على المجتمعات الأكثر تصنيعا وتفكيرا فلسفيا تحليليا والتي تمكنت من فصل الدين عن الدولة وأصبح حسب تعبيره ينزع إلى الانعزال في أعماق القلب.

ولكن المجتمعات الأكثر تصنيعا وتلك التي صارت تلقب بالمجتمعات ما بعد الصناعية لا تزال تحتفظ بطقوس الثقافة الشعبية التي تخلق العوالم الأسطورية الجديدة وفضلا عن ذلك فإن الذهنية التحليلية ليست ناظما كليا القدرة على مستوى مختلف طبقات المجتمع في الدول الصناعية نفسها حيث كثيرا ما نجد العلم يتجاور مع بقايا الخرافة والسحر ، ونجد أيضا المادية المتطرفة تقابل ثقافة شرائح اجتماعية تتميز باالنزوع الروحي وحتي الصوفي.

إن هذه الثنائيات هي التي تخلق، ربما، التوازن النفسي لدي الأفراد وتحول دو غرق الجميع في الحياة المادية الخالقة للانسان ذي البعد الواحد حسب تعبير مفكر مدرسة فرانكفورت هربرت ماركيوز. إلى جانب ما تقدم فإن فكرة الشعر الساذج الذي يعتقد رانسيير بزواله نهائيا في عصرنا ليست خاصية أو ظاهرة عالمية شاملة بل هي جزئيا ظاهرة غربية وبنسب معينة فقط كما قلت سلفا.

ففي عالمنا توجد شعوب “ساذجة” لا يزال شعورها الجمعي ورود فعلها مؤسسة على الفهم الخرافي والاسطوري للعالم ولهذه الشعوب شعراء “ساذجون” يعبرون عن عنها فعلا.

كاتب من الجزائر مقيم بلندن

أزراج عمر

:: مقالات أخرى لـ أزراج عمر

أزراج عمر

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر