الجمعة 20 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10518

الجمعة 20 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10518

تونس.. توبة الترويكا والوئام المدني

لئن كانت توبة رافعي السلاح في سوريا والعراق وليبيا واجبة لبداية مسار الوئام المدني، فإن إنابة رافعي السلاح الرمزي على العواصم العربية استحقاق وضرورة لاستهلال مسار الحقيقة والكرامة الحقيقي.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2016/12/10، العدد: 10481، ص(9)]

قليلة هي الحالات التي تزامنت فيها مشاريع “التوبة” المدنيّة والفكرية للجماعات الإرهابية مع انتصاراتها العسكرية وتمددها الميداني، ذلك أنّه كثيرا ما تلازمت عملية الاسترجاع بالانكسارات الحربية، وبدخول الجماعات في المكاسرات البينية الداخليّة.

هكذا كانت الحالة مع الجماعة الليبية المقاتلة التي دخلت في مراجعات نسبية وجزئية ومرحلية مع النظام الليبي السابق، سرعان ما انكشف هوانها المعتقدي وتماسكها المصلحي البراغماتي باندلاع أحداث فبراير 2011، وعودة الشيخ التائب إلى مرحلة الخنادق والبنادق.

وهكذا أيضا كانت الحالة مع الجماعات الإسلامية المصرية، حيث مثلت مرحلة ما بعد 25 يناير أرضية خصبة لاسترداد “الميدان والبيان” ولاسترجاع الفتوة للنص التكفيري، وهي مقدمات، تنضاف إليها أخرى بالتأكيد، أفضت في الأخير إلى خلق النواة الصلبة الأولى لتنظيم بيت المقدس في سيناء.

وهكذا أيضا كانت التجربة السورية الحالية في شقها الإرهابي الجهاديّ، إذ لم يتوان غالبية “التائبين” في الانخراط صلب الجماعات التكفيرية الأكثر تطرفا وإرهابا ضمن المشهدية السورية.

وفي كل مرّة كانت “الإنابة” مع المجتمع والدولة شبيهة بـ”الهدنة الاجتماعية” المحدودة في الزمان والمكان وبالفرصة المرحلية لإعادة ترتيب البيت الداخلي، وانتظار الساعة الصفر للانقضاض على الهدنة وعلى البلاد والعباد سويّة.

صحيح أنّ أقلية من الجماعات الإرهابية التائبة كانت صادقة في مراجعاتها العميقة، إلا أنّها بقيت دائما على هامش المشهد ولم تستحل إلى قاعدة بنيوية وهيكلية مقارنة بوضعية “الانسحاب التكتيكي” والعودة إلى خطّ الدفاع الأوّل حيث التوبة الظاهرة والاحتقانات الضامرة.

اليوم، تسعى تونس إلى مقاربة موضوع الهجرة الداعشية العكسية عبر بوابة “الوئام المدني 2”، الأمر الذي يستلزم إنشاء ورشات عمل متكاملة ومتضافرة من حيث المجهود وفلسفة العمل، والأكثر من ذلك الغوص والتعمق في الأسباب المباشرة المفضية إلى بلورة ظاهرة الإرهاب وتحميل الفاعل السياسي في سياق الترويكا المسؤولية الكاملة في تجميل الإرهاب وفي توظيفه لقصف العقول ضمن مقولة الإرهاب الناعم.

إرهاصات العودة الفردية والجماعية مرصودة اليوم بصورة جلية بدءا بتصريح الرئيس الباجي قائد السبسي لوكالة الصحافة الفرنسية، وليس انتهاء بالخلايا الإرهابية المفككة حديثا في ضواحي تونس العاصمة والتي اعترف أعضاؤها بأنّهم ينسقون مع الجهاديين في سوريا والعراق للعودة الخفية إلى تونس.

ولئن نشرت السودان قواتها الأمنية والعسكرية على طول الحدود مع ليبيا للحيلولة دون تدفق الإرهابيين الداعشيين إليها عقب الضربات الموجعة التي يتعرض لها التنظيم في معاقله بسرت، فإنّ الحذر لا بدّ أن يكون مضاعفا في الجبهة الجنوبية لتونس، لا فقط لأنّ الجماعات الإرهابية والقريبة والمتحالفة معها موجودة فعليا على الحدود ولكن، وهذا هو الأخطر، لأنّ فرضية الدخول إلى البلاد بأوراق ثبوتية مزورة متحصل عليها من قبل حكومة المؤتمر الوطني واردة جدّا.

وهي مقدّمة تؤكّد أنّ المقاربة الأمنية المشفوعة بيقظة اجتماعية وإصرار شعبي على السلم الأهلي تمثّل اللبنة الأساس للحيلولة دون الاختراق “المقنّن” من طرف حكومة الميليشيات في الغرب.

ودون تعّمق في المقاربة الأمنية والتشريعية التي تناط بعهدة الفاعلين الأمنيين وفقهاء القانون، فإنّ تطوير الخطاب الديني شكلا ومضمونا، وتحويله من سياق الموعظة العمودية إلى فضاء التفاعل الأفقي مع قضايا الشباب الحساسة والملموسة والخروج من إطار “الدرس الديني والفقهي المعقّد” إلى براديغم مخاطبة العقل والقلب، بات اليوم أمرا أساسيا في مقاربة تحصين الشباب.

غير أنّ هذا الأمر لن يكتب له النجاح إلا بتحميل الفاعلين السياسيين زمن الترويكا المسؤولية الأخلاقية والسياسية والاعتبارية، وحتّى القانونية الجزائية في جحافل الشباب المغرر بهم في سوريا والعراق وليبيا.

فأن ينخرط الفاعل التنفيذي في محور إقليمي ضدّ آخر، وفي تجيير مؤسسات الدولة التونسية وتوظيف القوة الرمزية لثورة 14 يناير في حروب بالوكالة بالشرق الأوسط، زادت من أوار الصراع وحولت شبابنا إلى قرابين من دم في مذبح الشام، لهي مسؤولية أخلاقية وقانونية لا بدّ من أن يتحمّل أصحابها عاتقها.

حينها يدرك هؤلاء معنى الدعاية حين ينخرطون في وصف بعض الجيوش الوطنية بقوات الاحتلال الداخلي، وحينها أيضا يستوعب شركاؤهم بالأمس وحكّام اليوم أنّ “التوبة” غير مقصورة على المهاجرين مع الدواعش، وإنما أيضا على مسوّغي الهجرة وغاضي الطرف عنها.

ولئن كانت توبة رافعي السلاح في سوريا والعراق وليبيا واجبة لبداية مسار الوئام المدني، فإنّ إنابة رافعي السلاح الرمزي على العواصم العربية استحقاق وضرورة لاستهلال مسار الحقيقة والكرامة الحقيقي.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر