الاثنين 25 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10762

الاثنين 25 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10762

مسار مفكر نقدي شجاع

إن ما يعرفه القراء باللغة العربية في بلداننا عن جلال العظم قليل جدا، إذ كتب المفكر في حقل البحث الفلسفي باللغة الإنكليزية كتبا تدرس في كبريات الجامعات الغربية منها الجامعات الأميركية والبريطانية.

العرب أزراج عمر [نُشر في 2016/12/13، العدد: 10484، ص(15)]

قال لي مرة صديقي الشاعر والمسرحي التونسي الراحل مصطفى الفارسي إن الأدباء والمفكرين الحقيقيين لا يموتون وإنما يغيرون مواقعهم فقط، ويصدق هذا القول على الناقد والمفكر السوري الدكتور صادق جلال العظم كل الصدق. تعود علاقتي بكتابات الدكتور صادق جلال العظم، الذي تمنيت كثيرا أن ألتقي به ولكن أمنيتي لم تتحقق مع الأسف، إلى أكثر من أربعين سنة.

كان أول كتاب قرأته لصادق جلال العظم هو النقد الذاتي بعد الهزيمة. في ذلك الوقــت كنت يافعا ولكن أدركت بإحساسي القروي الذي لم تلوثه المدن أن ما كتبه الرجل صادق وأن مبضعه قد تمكن فعـلا مـن إصابة مناطق التخلف البـنوي المـريـضة في حياتنا السياسية والثقـافية والفكـرية.

لقد جعلني هذا الكتاب، إلى جانب كتب قليلة أخرى كنت قد قرأتها، أدرك تماما أن دور المفكر النقدي في بلداننا يستمد مصداقيته ويؤسس فاعليته من النقد الصريح والجريء للبنية الثقافية والسياسية والاجتماعية والدينية المركبة التي فرخت ولا تزال تفرخ شتى أنماط الهزائم في مجتمعاتنا من أجل تأسيس المجتمع الحداثي بكل ما تعنيه هذه الكلمة من تجاوز للتخلف والدكتاتورية.

أما الكتاب الثاني الذي لفت انتباهي وقرأته مرارا فور وصول نسخ منه إلى المكتبات الجزائرية فهو كتاب نقد الفكر الديني الذي أثار وقت صدوره ومن بعده أيضا زوبعة من الاتهامات ضد مؤلفه منها تهمة الالحاد، حيث نشرت فتاوى من طرف الاتجاهات الإسلامية المتطرفة تدعو إلى تصفيته جسديا.

في هذا الكتاب الشجاع نقل جلال العظم الجهاز الفلسفي المكتنز لديه من مدارات التأملات الميتافيزيقية إلى تشريح ما ادعوه بالشخصية العربية المتمركزة في النسق الثقافي الديني الرجعي الذي يمثل خطرا كبيرا على التنوير الإسلامي الأصيل.

في الواقع إن ما يعرفه القراء باللغة العربية في بلداننا عن جلال العظم قليل جدا وينحصر غالبا في الكتابين المذكورين، وكذا كتاباته عن ذهنية التحريم والعلمانية والإسلام، والصهيونية والصراع الطبقي، التي تقرأ وتدرس من طرف القراء العاديين وقليلا ما يتم تناولها بالدراسة النقدية الجادة من جانب نقادنا.

ولكن للدكتور جلال العظم كتب أخرى ملفتة للنظر في حقل البحث الفلسفي باللغة الإنكليزية وهي تدرس في كبريات الجامعات الغربية منها الجامعات الأميركية والبريطانية.

إن هذا الجانب الفكري الرصين عند الدكتور جلال العظم مكرس لفلسفة إمانويل كانط وغيره من المفكرين الفلاسفة المؤثرين في مسارات الفكر العالمي، ونذكر هنا كتابه عن نظرية الزمان عند كانط، وكتابه حول أصول محاججات كانط في المتناقضات، وكتابه عن الفيلسوف الفرنسي برجسون.

لا شك أن وضع هذه الكتب في العربة الأخيرة من اهتمام دارسي الفكر في العالم العربي، ومن قبل المسؤولين عن وضع وإقرار المناهج الدراسية الفلسفية في جامعاتنا وثانوياتنا هو ترجمة كاملة لهيمنة الفكر التقليدي المتخلف على حياتنا الفكرية والتربوية، والذي حاربه جلال العظم في كتبه وندواته.

سيذكر التاريخ الدكتور جلال العظم كمثقف شجاع مهما كان الخلاف معه في القضايا التي يبادر إلى مناقشتها، وكما سيذكر كواحد من النقاد المؤمنين بالحرية الفكرية وبأن الطريق إلى تحديث الإنسان في بلداننا وإخراجه من النكوص الديني الخرافي مشروط دائما بالفكر العقلاني النقدي.

كاتب من الجزائر

أزراج عمر

:: مقالات أخرى لـ أزراج عمر

أزراج عمر

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر