الخميس 23 مارس/اذار 2017، العدد: 10580

الخميس 23 مارس/اذار 2017، العدد: 10580

هل الجزائر مركز للتعاون الأفريقي حقا

النظام الجزائري يعد أحد المساهمين الأساسيين الذين تركوا الساحة الأفريقية للنفوذ الإسرائيلي الأمني والعسكري بشكل خاص، وللسيطرة الفرنسية على بلدان الساحل الأفريقي وغيرها من دول القارة السمراء.

العرب أزراج عمر [نُشر في 2016/12/15، العدد: 10486، ص(9)]

صرّح الدبلوماسي الجزائري المعروف الأخضر الإبراهيمي، الأحد الماضي في ندوة بالعاصمة الجزائرية، مدعيا أن الجزائر قد صارت مركزا للتعاون الأفريقي، وهنا نتساءل: هل ينطبق مضمون هذا التصريح مع حقائق الواقع أم أن الرجل يبني فرضياته على الوهم؟ أين هذا التعاون الذي يتحدث عنه الإبراهيمي وما هي ركائزه الاقتصادية والثقافية والتربوية والإعلامية والإنسانية؟ وما هي فعالية وجود الجزائر في منظمة الاتحاد الأفريقي ومؤسساته؟

لا بد من القول بأن جميع الحقائق تؤكد، كما سنبيّن فيما بعد، أن الجزائر في ظل النظام الحالي قد فشلت فعلا في بناء أي شكل من أشكال الشراكة مع العمق الأفريقي مثلما أخفقت في خلق الروابط مع شعوب هذه القارة. ففي الشهر الجاري قامت السلطات الجزائرية بطرد آلاف اللاجئين الأفارقة بطرق تعسفية ولم تحترم حقوقهم التي نصت عليها المواثيق الدولية، وأكثر من ذلك فإن هؤلاء اللاجئين قد عوملوا معاملة غير إنسانية طوال إقامتهم بالبلاد حيث أنهم تركوا فريسة للنوم في العراء وللتسول في شوارع المدن والقرى المجاورة لها بسبب عدم توفير سكنات الإقامة اللائقة والرعاية الطبية والأكل والملبس لهم، الأمر الذي يعني أنهم تعرضوا فعلا للاحتقار، وكنت شاهدا على الكثير من المشاهد، وخاصة مشاهد الأطفال الصغار الرضع الأفارقة النائمين على الأرصفة والعجائز الأفريقيات اللاجئات المسنات النائمات جماعيا ليلا ونهارا في مداخل العمارات حينا وعلى قارعة الطرقات المغبرة حينا آخر. إن تلك الأوضاع المؤلمة التي عانى منها الأفارقة الفارين من الموت ببلادهم والتي جردتهم من إنسانيتهم قد شاهدتها بأم عيني مرارا وتكرارا وهي تذكّرنا فعلا بالعصور الحجرية.

لا شك أن ما حدث لهؤلاء اللاجئين واللاجئات الأفارقة من أهوال هو نتيجة حتمية لغياب أي سياسة فعلية إيجابية وواضحة المعالم تجاه أفريقيا لدى النظام الجزائري، وفي الواقع فإنه منذ وفاة الرئيس هواري بومدين إلى يومنا لا يوجد هناك أي تكامل جزائري – أفريقي في جميع المجالات الحيوية الأمر الذي حال دون بناء شراكة إعلامية، أو تكامل ثقافي وفني أو اقتصادي في ميادين الزراعة والفلاحة والصناعات والسياحة وغيرها. إن غياب هذه الركائز المادية والثقافية تكشف بشكل صريح أنّ الجزائر لا تملك أي إستراتيجية في القارة السمراء ما عدا شكليات التمثيل الدبلوماسي العقيم. وفي الأيام القليلة الماضية برزت إلى السطح نتائج الإهمال الجزائري المزمن للقارة الأفريقية في صورة فشل أعمال المنتدى الأفريقي للاستثمار الذي انعقد بالجزائر وتحول إلى مهزلة من العيار الثقيل.

وفي الحقيقة فإن وجود الجزائر كعضو في منظمة الوحدة الأفريقية سابقا، وكعضو في الاتحاد الأفريقي حاليا، هو مجرد وجود هلامي من حيث فعاليتها في القضاء على النزاعات الخطيرة فيها أو في المساهمة في النمو الاقتصادي الأفريقي الذي يقل ناتجه الإجمالي المقدر بـ1.5 تريليون دولار عن الناتج الإجمالي لولاية كاليفورنيا بمفردها والذي قدر رسميا في عام 2015 بمبلغ 2.46 تريليون دولار. جراء هذا السلوك الجزائري السلبي في القارة الأفريقية فإن الشخصية الجزائرية لم تبرز كمحرك فاعل ومؤثر في المسرح الرسمي والشعبي للمجتمعات الأفريقية.

وهكذا يبدو واضحا أن إسهام النظام الجزائري الكلي في المؤسستين الأفريقيتين المذكورتين يتلخص في الاجتماعات الماراثونية الجوفاء التي لم ينتج عنها أي مشروع مادي أو ثقافي أو إعلامي يمكن أن يلعب دورا حيويا في ازدهار الفضاء الأفريقي، وأن يرفع من شأن أفريقيا في المسرح الدولي. وفي هذا الخصوص كتب الخبير الاقتصادي الجزائري عبدالرحمن مبتول قائلا بأن الجزائر تلجأ إلى أفريقيا في وقت الأزمات فقط.

على ضوء ما تقدم يدرك المراقب السياسي أن مضمون تصريح الإبراهيمي ليس له أي سند مادي في الواقع يعطي له المصداقية وذلك على جميع المستويات التي يفترض أنها الأرضية الصلبة التي تؤسس عليها العلاقات الدولية الصحية.

عمليا فإن النظام الجزائري يعد أحد المساهمين الأساسيين الذين تركوا الساحة الأفريقية للنفوذ الإسرائيلي الأمني والعسكري بشكل خاص، وللسيطرة الفرنسية على بلدان الساحل الأفريقي وغيرها من دول القارة السمراء، وللهيمنة السياسية والاقتصادية الغربية على أفريقيا، ولاكتساح الاستثمارات الصينية في أفريقيا وهي تقدر بمبلغ 115 مليار دولار على حساب استمارات دول الاتحاد المغاربي ودول المشرق العربي.

وفي هذا السياق بالذات فإن إيران أصبح لها نفوذ أيديولوجي واقتصادي في أفريقيا يتجاوز الحضور الجزائري الشكلي فيها. إن التبادل التجاري بين إيران ودولة جنوب أفريقيا لوحدها، مثلا، يقدر بمبلغ 2 مليار دولار، أما صادرات النفط الإيراني لدول أفريقيا فتقدر رسميا بمبلغ 3.6 مليار دولار، إذ من المستحيل مقارنة هذه المبالغ الإيرانية بحجم عائدات التبادل التجاري الجزائري الأفريقي بأي صورة من الصور. وعلى سبيل المقارنة أيضا فإن التقارير والإحصائيات تفيد بأن الحجم الكلي لعائدات التبادل التجاري بين الجزائر وبين بلدان أفريقيا مجتمعة لا يصل إلى نصف عائدات التبادل التجاري بينها وبين إيطاليا، أو فرنسا التي تسيطر على مقدرات الاقتصاد الجزائري.

كاتب جزائري

أزراج عمر

:: مقالات أخرى لـ أزراج عمر

أزراج عمر

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر