الاحد 19 فبراير/شباط 2017، العدد: 10548

الاحد 19 فبراير/شباط 2017، العدد: 10548

الجزائر تسدل ستار العام على مشهد ثقافي معتاد

  • الجزائر البلد الأكبر عربيا من حيث المساحة، ومن أكثر أقطار العالم غنى حضاريا لما له من خصوصيات تاريخية كبرى، لكن اليوم لا نجد الجزائر في دور مؤثر كما كانت، خاصة على الساحة الثقافية العربية، حيث خبا نجم هذا البلد العريق ثقافيا، لذا نتساءل هنا عن أسباب الخفوت الثقافي الجزائري، ونسلط الضوء على عام من الثقافة في الجزائر.

العرب أزراج عمر [نُشر في 2016/12/24، العدد: 10495، ص(17)]

ضرورة الاهتمام بالثقافة الأمازيغية

هل شهدت الجزائر في عام 2016 أي تطور نوعي في الحياة الثقافية والفنية الجزائرية على مستوى البنية المادية وعلى مستوى البنية الفوقية بما في ذلك صناعة الكتاب وفق أحدث الأساليب، والمحافظة على المجلات القديمة مثل مجلات: آمال، والمسرح، والثقافة والثورة، ومعالم -المتخصصة في ترجمة الفكر العالمي-، وإنشاء المجلات الثقافية والفنية والفكرية الجديدة المتميزة، ومن خلال تطوير الإنتاج الفني في مجالات السينما، والمسرح، والفنون التشكيلية؟ وهل تمَ إعطاء دفع استثنائي للحركة الأدبية بمختلف حقولها الأساسية مثل الشعر، والقصة، والنص المسرحي، والرواية والنقد الأدبي والفكري؟ أم أن حصاد هذه السنة هو مجرّد تكرار نمطي لما كان عليه الأمر في السنة الماضية بشكل خاص وفي العشرية الفارطة بشكل عام؟

ميزانية ضعيفة

لاشك أن الواقع الثقافي الجزائري، بما في ذلك الوضع الثقافي لسنة 2016، لا يمكن أن يفهم وأن يقيّم خارج سياق الوضع العام للبلاد التي تمرّ بفترة جمود ونكوص. وفي الحقيقة فإن المشكلة الجوهرية التي تعاني منها الثقافة الجزائرية ماضيا وراهنا هي النظر إليها كشيء ثانوي مختزل في النشاطات الشكلية، وليس كقوة ناعمة تتأسس عليها النهضة الوطنية الشاملة. فالثقافة في الجزائر تدرج دائما في الدرجة الأخيرة من اهتمامات الدولة وأجهزتها المسؤولة على الشأن الثقافي.

إن الميزانية التي ترصد للثقافة ضعيفة جدا إذا قيست بميزانيات وزارات السيادة مثل الداخلية والخارجية والدفاع.

هذه الميزانية الضعيفة لا يمكن أن تساهم في تفعيل البعد الثقافي الوطني ليكون له دور في خلق نهضة ثقافية وفكرية وفنية في البلاد ويضمن لها الاستمرارية.

وبالإضافة إلى هذا فإن الدولة الجزائرية لا تملك مشروعا ثقافيا وحضاريا محدد المعالم، وبرنامجا وإطارات لتنفيذ هكذا مشروع في الميدان. فالغالب، في الجزائر، هو النشاطات الثقافية السطحية التي تنظم بكثير من الارتجال هنا وهناك إلى جانب عقد بعض الملتقيات التي لا تترك أثرا يذكر.

أهم حدث له صلة بالبنية التحتية بالعاصمة الجزائرية هذه السنة هو تدشين دار الأوبرا التي كانت هبة من الصين

منذ هبوط أسعار البترول قررت وزارة الثقافة الجزائرية، وذلك بإيعاز من الهرم الأعلى للسلطة الجزائرية، الدخول في التقشف الثقافي المفتوح وبسبب هذا الإجراء ألغيت عدة ملتقيات وأدمج بعضها الآخر، مثلما توقف برنامج طبع ألف كتاب في السنة والمعمول به في عهد وزيرة الثقافة السابقة خليدة التومي، علما وأن حصاد تلك المرحلة في مجال طبع المؤلفات ذات الطابع الأدبي والثقافي والتاريخي هو حصاد ضحل من حيث الكيف حيث أن أغلب ما تمّ طبعه آنذاك لا يتجاوز نسبة سبعين بالمئة لمجرد إعادة طبع الكتب القديمة المطبوعة سابقا.

إن بانوراما الحياة الثقافية الجزائرية لهذا العام تتمثل في عدة مسائل منها أن الجمعيات الثقافية والفنية التابعة لما يسمى بالمجتمع المدني لم تنجز أعمالا جادة لعدة أسباب منها شحّ تمويل الدولة لها وانعدام الرعاية المالية لها من طرف الشرائح الغنية في البلاد، وبذلك فقد اكتفت هي بدورها بتنظيم البعض من النشاطات والملتقيات الثقافية والفنية في العاصمة والمدن عبر الجزائر العميقة، وأغلبها قد تم في غياب الجمهور الواسع وخاصة جمهور طلاب وطالبات الإعداديات والثانويات والجامعات.

من الملاحظ أيضا هو أن البنية التحتية الثقافية والفنية لم تشهد في هذه السنة أي تحوَل جدير بالذكر ما عدا القيام بصيانة عدد من قاعات السينما، والمسارح القديمة القليلة في الوطن والتي تحتكرها المدن الكبرى. وفي هذا الخصوص فإن الأرياف الجزائرية لا تملك مسارح تقليدية أو حديثة للأطفال وللشباب، عدا ما يسمى بالنوادي الثقافية التي لا تتوفر على الوسائل المشجعة على الإبداع، كما أنها تفتقر إلى مدرسين متخصصين وأكفاء في الموسيقى، والإخراج المسرحي، والتمثيل، والسينوغرافيا، والنحت والرسم وهلمّ جرّا.

إنه لحد الآن لا توجد في المحافظات الجزائرية كليات متخصصة في تدريس الشباب فنون الإبداع في مختلف المجالات مثل الشعر والرواية والسيرة والمعمار وغيرها من الفنون التي لا غنى عنها في بناء الأجيال الجديدة بناء ثقافيا وفنيا راقيا.

ويمكن القول إن أهم حدث له صلة بالبنية التحتية شاهدته العاصمة الجزائرية في هذه السنة هو تدشين دار الأوبرا علما أن هذا المعلم الثقافي والفني ليس من تصميم أو تمويل الجزائر وإنما هو هبة من الدولة الصينية.

بلا نجاعة أو دور

أما تظاهرة مدينة قسنطينة عاصمة للثقافة العربية فقد شهدت بدورها عدة محاضرات وندوات وعروض فنية، ولكن مقاطعة مجموعة من الفنانين الأمازيغيين أمثال المغني الأمازيغي الشهير المقيم منذ سنوات طويلة في فرنسا إيدير وغيره لها، جرّاء عدم تضمن أدبيات هذه التظاهرة لأيّ أشارة واضحة إلى البعد الثقافي الأمازيغي كمكوّن أساسي في الجزائر، قد أثار موجة من النقد في وسائل الإعلام الوطنية، فضلا عن وسائل التواصل الاجتماعي.

ويسجل أيضا أن التمثال المخصص لرائد الحركة الثقافية الإسلامية الشيخ عبدالحميد بن باديس لم يكن موفقا من حيث تصميمه، الشيء الذي أثار اعتراضات كثيرة عليه، سواء على المستوى الإعلامي أو على المستوى الشعبي.

الميزانية الضعيفة لا يمكن أن تساهم في تفعيل البعد الثقافي الوطني ليكون له دور في خلق نهضة فكرية وفنية

في هذا السياق انتقد الأكاديمي عبدالرزاق قسوم رئيس جمعية العلماء المسلمين هذه التظاهرة قائلا “إن الحفلات التي قدمت في ذكرى وفاة العلامة عبدالحميد بن باديس، زعيم الحركة الإصلاحية في الجزائر، إهانة للعلاَمة والعلم”، كما أكد قسوم أن “فعاليات عاصمة الثقافة العربية افتتحت بفضيحة تمثال الشيخ عبدالحميد بن باديس، الذي تحوّل إلى مطيّة لعبث الشباب قبل إزاحته”.

في هذه المناسبة اكتفى الوزير الأول الجزائري السيد عبدالمالك سلال بتفقد وتدشين دار الثقافة بالمدينة الجديدة لمدينة قسنطينة لتضاف إلى عدد كبير من دور الثقافة عبر البلاد، والتي لم تلعب أي دور مفصلي في الإقلاع الثقافي والفني بالمحافظات ودوائرها وبلدياتها، وهي بدورها تعيد إنتاج الصيغ التقليدية التي تتميز بالفولكلوريات والنشاطات الموسمية.

إن الثقافة الجزائرية لم تلعب أي دور في كتابة التاريخ الثقافي والفني لكل محافظة وبلديتها، لتكون بمثابة لبنة تنطلق منها عمليات كتابة التاريخ الثقافي العام المشكل للبنية الكلية للهوية الجزائرية المتنوعة والغنية فعلا.

لا بد من الإشارة هنا إلى أن دور الثقافة الجزائرية في الجزائر العميقة بما في ذلك مديريات الثقافة لم تخلق ديناميات العمل الثقافي والفكري والفني المستمر، بما يؤدي إلى تربية أجيال الشباب والشابات على القيم الثقافية العصرية والحداثية.

موت ثقافي

وفي ما يتصل بمجال الجمعيات الثقافية المعروفة التي كانت في فترة الثمانينات من القرن العشرين بمثابة الواجهة الثقافية الجزائرية، رغم بعض سلبياتها ونقائصها، منها اتحاد الكتاب الجزائريين، وجمعية الجاحظية التي أسسها الروائي الجزائري الراحل الطاهر وطار، وكذلك الاتحادات الثقافية والفنية الأخرى مثل اتحاد الفنانين التشكيليين واتحاد المعماريين الجزائريين، واتحاد المغنين والموسيقيين الجزائريين وغيرها من الاتحادات ذات الطابع الثقافي والفني، فإن عام 2016 لم يشهد أي تغيير نوعي إيجابي في وضعها، وبالعكس فإن اتحاد الكتاب الجزائريين قد مات بشكل تام ولم يعد واجهة ثقافية وفكرية للوطن بل أصبح مقرا تباع فيه الكتب من طرف تجار ينتمون إلى القطاع الذي يحصر همّه الأساسي في التجارة، أما جمعية الجاحظية فقد دفنت أيضا يوم دفن الراحل الطاهر وطار فعلا، ولم تعد فضاء للندوات الفكرية والأدبية الكبرى، ولنشر وطبع الكتب مهما كان مستواها الفني والفكري والثقافي، وفضلا عن ذلك فإن مجلتي التبيين والقصيدة اللتين كانتا تصدران عن جمعية الجاحظية وتعدان بالتطور فقد أدركهما العجز.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر