الخميس 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10821

الخميس 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10821

العالم يخطو أولى خطاه نحو حرب عالمية على الإنترنت

  • اتسم عام 2016 بعام ظهور جرائم الهاكرز وسرقة البيانات للعلن واتهام دول بالوقوف وراءها للتأثير على دول أخرى. فمع أن عمليات التجسس من خلال الإنترنت أصبحت من أهم الوسائل التي وظفت في عمليات أجهزة المخابرات ومجموعات الهاكرز منذ العام 2004، إلا أن 2016 كانت سنة الاتهامات العلنية ونشر المعلومات المسروقة للجمهور بهدف الابتزاز السياسي والمالي كما حصل في عملية الهجوم الإلكتروني على الحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة ونشر البيانات المسروقة على مواقع الإنترنت.

العرب إياد بركات [نُشر في 2016/12/27، العدد: 10496، ص(13)]

عصر المدفع والبندقية شارف على الانتهاء

في العقود الماضية انشغل العالم بـ”أسلحة الدمار الشامل”، والآن حان الوقت لينشغل ويحسب حساب تحديات “أسلحة الهاكرز” التي تهدف للتأثير على الانتخابات وأنظمة الحكم والاقتصاد في دول العالم. قد تكون الانتخابات الأميركية الأخيرة قد سلطت الضوء على هذا الخطر، ولكنها كانت خيطا واحدا ضمن شبكة واسعة من التحديات التي استغرق نموها التدريجي سنوات.

وفي تعليق على الانتخابات الأميركية الأخيرة، كتب ديفيد روثكوبف، رئيس تحرير مجلة “فورن بوليسي” واسعة الانتشار “أغلب الأحداث الكبرى خلال الانتخابات الأخيرة كانت الإنترنت والأمن الشبكي عامل أساسي فيها، واستخدمت الكثير من تقنيات وأساليب حرب المعلومات التي أتقنها الروس في العقود الماضية”.

وطوال فترة الانتخابات، كان هناك حديث مستمر عن الدور الروسي في سرقة بيانات وإيميلات، وعن دور ويكيليكس ومؤسسه جوليان أسانج في نشر هذه المواد المسروقة والتأثير على الانتخابات. وكانت هناك اتهامات رسمية ومباشرة من معسكر هيلاري كلينتون وجهات مختلفة، بضلوع روسي في سرقة ونشر الإيميلات المتعلقة بحملة كلينتون الرئاسية وأيضا ببياناتها الرسمية عندما كانت وزيرة للخارجية.

وبقي المستوى الرسمي الحكومي في الولايات المتحدة والرئيس الأميركي صامتين دون إبداء أي تعليق على هذه الإدعاءات. وقبل موعد التصويت بأيام، كتب ديفيد ساندرز في صحيفة نيويورك تايمز “قرر الرئيس أوباما ومساعدوه، وبعد سلسلة طويلة من النقاشات والاجتماعات في (غرفة إدارة الأزمات) بالبيت الأبيض، أن أي خطوة انتقامية علنية من قبل الولايات المتحدة ضد التدخل الروسي، يجب أن تؤجل إلى ما بعد انتهاء الانتخابات، حتى لا يبدو أوباما وكأنه تدخل في العملية الانتخابية، ولاجتناب أي ردة فعل روسية متهورة أثناء عملية الاقتراع”.

وفي بيان رسمي، أكد البيت الأبيض أنه قبل يوم الانتخابات بثمانية أيام قامت الحكومة الأميركية بالاتصال بالحكومة الروسية مباشرة لتحذيرها بعد كشف أميركا لــ”نشاطات إلكترونية عدائية تقوم بها روسيا ضد أنظمة وأجهزة الاقتراع في الولايات الأميركية”.

السنوات القادمة ستشهد اعتمادا عالميا أكبر على الإنترنت والاتصالات، وازدهارا يطال كل مناحي الحياة. وسيصاحب هذا ازدهار القرصنة وظهور تحديات لم نعرفها من قبل

الطريقة التي أرسلت بها الحكومة الأميركية تحذيرها للحكومة الروسية كانت ملفتة للنظر وتحتوي على تهديدات ورسائل ضمنية، فحسب “نيويورك تايمز″ استعملت واشنطن خط الاتصال الأحمر الساخن المخصص للاتصال المباشر بين مركزي “اجتناب مخاطر الحرب النووية” الموجودين في كلا البلدين منذ فترة الحرب الباردة وأثناء الحقبة السوفييتية. ومع أن الولايات المتحدة وروسيا قد اتفقتا منذ ثلاثة أعوام على إضافة الاتصال في حالة حدوث خطر السايبر والهاكرز لهذا الخط الساخن، إلا أنه نادرا ما استخدم في هذا الشأن قبل هذه الحادثة الأخيرة والتي أكدها البيت الأبيض في تصريحه الرسمي.

وفي تقرير نشرته صحيفة واشنطن بوست على لسان أحد كبار المسؤولين الأميركيين، والذي لم يفصح عن اسمه، قال “كانت رسالتنا للروس واضحة ودقيقة جدا وطلبنا منهم أن يكفوا عن استهدافنا بنشاطات إلكترونية عدائية، واستخدامنا للخط الساخن لإرسال هذه الرسالة كان بحد ذاته رسالة ضمنية”.

وبحسب الصحيفة، فإن الرئيس الأميركي باراك أوباما اتصل شخصيا بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، لتحذيره بشكل شخصي بسبب الهجمات الإلكترونية التي استهدفت العملية الديمقراطية في أميركا.

وبعد ذلك التصريح من البيت الأبيض، انتشرت العديد من الدعوات التي تطالب الكونغرس الأميركي بالتدخل وبأن يقوم بفتح تحقيق علني في هذه القضية، وعدم الانتظار والاعتماد على التحقيقات السرية التي قد تكون أجهزة المخابرات الأميركية مثل “آل سي آي إيه” والـ”أف بي آي” تقوم بها في هذا الخصوص.

ويقول الصحافي الاستقصائي ديفيد كورن “إنه لأمر مرعب أن يكون هناك احتمال قيام دولة أجنبية بالتدخل والعبث بالعملية الانتخابية الأميركية من أجل تحقيق أهدافها الخاصة، وهذا يثير مخاوف عميقة حول نظام الحكم في أميركا، وفتح تحقيق بخصوص هذه القضية يجب ألا يترك مهملا في السرادب السرية آل سي آي إيه والأف بي آي”.

مالكولم نانسي: الاختراق كان من عمل مجموعتين مشهورتين وعلى علاقة وطيدة مع المخابرات الروسية، هما "الدب اللطيف" و"الدب الدافئ"

وأضاف “من حق الجمهور أن يعرف إن كان بوتين أو شخص آخر، قد قام بإفساد النظام السياسي للأمة الأميركية. فهناك العديد من المسائل التي تدعو للشك والريبة، ومن دون تحقيق شامل، ستوضع الديمقراطية الأميركية برمتها محل تساؤلات وشكوك”.

وفي البداية حاولت الإدارة الأميركية الإيحاء بأن اتهاماتها لروسيا تتعلق بمجرد محاولات روسية اختراق أجهزة التصويت الإلكترونية في بعض الولايات الأميركية، وأعلنت أن الجهود الأميركية لمكافحة هذه الاختراقات نجحت في منع أي اختراق حقيقي، وحالت دون حدوث تزوير أو تلويث للتصويت في يوم الانتخابات. إلا أن عددا كبيرا من الخبراء يؤكدون أن روسيا تمكنت فعلا من تحقيق هدفها الأساسي، وهو إثبات قدراتها التقنية والتجسسية في التأثير على مجريات الانتخابات الأميركية، عن طريق قيامها باختراق وتسريب الرسائل الإلكترونية الخاصة باللجنة المركزية للحزب الديمقراطي ومكتب حملة هيلاري كلينتون الانتخابية، وسرقة إيميلات رئيس حملتها الانتخابية جون بوديستا.

وكان حضور أسانج، الذي مازال يقبع في سفارة الإكوادور في لندن، بارزا طوال العام 2016، وخصوصا بعد قيام ويكيليكس بنشر الإيميلات والبيانات آنفة الذكر.

وكان واضحا طوال الوقت أن أسانج يستهدف مرشحة الحزب الديمقراطي هيلاري كلينتون، وقيام سفارة الإكوادور بقطع اتصاله بشبكة الإنترنت في المراحل الأخيرة للحملات الانتخابية، يعزز الشكوك بأنه فشل في الحصول على وعد أميركي بالكف عن ملاحقته مقابل ألا يقوم بنشر ما لديه من إيميلات، مما دفع السفارة إلى منعه من استخدام الإنترنت.

ونشرت الحكومة الإكوادورية بيانا قالت فيه “الإكوادور تلتزم بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية لدول أخرى، وقمنا بقطع اتصال أسانج بالإنترنت، لأن موقع ويكيليكس نشر في الآونة الأخيرة كمّا هائلا من البيانات التي تؤثر مباشرة بشكل سلبي في العملية الانتخابية في أميركا”. وكتب ستيفن هيل في صحيفة الغارديان “السماح لأسانج بأن يكون (صانع ملوك) في انتخابات مهمة حول العالم، يعتبر وصفة لقتل الديمقراطية”.

والانتخابات الأميركية ليست وحدها ولن تكون الأخيرة التي تتعرض لهذه المخاطر، فحسب صحيفة الغارديان، هناك العديد من الأدلة التي تشير لتعرض حزبين سياسيين رئيسيين في ألمانيا لعمليات اختراق من قبل أياد قريبة من روسيا. فقد حذرت المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، علنا من أن روسيا قد تقوم بالتأثير على الانتخابات الفيدرالية الألمانية القادمة في العام 2017 عن طريق القيام بحملة مكثفة من هجمات الهاكرز واختراق بيانات ومعلومات حساسة ونشر دعايات وإشاعات كاذبة.

وقالت ميركل “إن ألمانيا تواجه مهمة يومية ودائمة في التصدي لهجمات السايبر الروسية”، وأضافت “الخبراء يعتقدون أن روسيا تعتبر وجود حكومة يسارية في ألمانيا، بدلا من التحالف وسط - ليمين الذي أقوده حاليا، يخدم المصالح الروسية أكثر”.

ويعتبر مارتن سشالبروش، مدير المجتمع الرقمي في برلين، أن الكثير من الأدلة تشير إلى تورط روسي في محاولات الاختراق التي تحدث في ألمانيا. ويقول “محاولات اختراق من هذا النوع هدفها الوصول إلى كمية ضخمة من المعلومات الحساسة، كما حصل مع الحزب الديمقراطي الأميركي، فالانتخابات الألمانية مازالت على بعد عام من الآن، والحصول على هذه المعلومات كذخيرة احتياطية، يزود الجهات الخارجية بالقدرة على التأثير بعد تسعة أشهر، إما عن طريق تسريب هذه المعلومات للعلن وإما عن طريق ابتزاز أشخاص معينين، وهذا محتمل جدا، وقد رأيناه يحدث في أميركا، فلماذا نستبعد حدوثه في ألمانيا؟”.

ستيفن هيل: السماح لأسانج بأن يكون (صانع ملوك) في انتخابات مهمة حول العالم، هو وصفة دقيقة لقتل الديمقراطية

مالكولم نانسي، ضابط المخابرات السابق في البحرية الأميركية، ومؤلف الكتاب الذي صدر بعيد الانتخابات الأميركية بأيام بعنوان “عملية اختراق أميركا، كيف حاول جواسيس السايبر التابعين لبوتين وويكيليكس سرقة الانتخابات الأميركية عام 2016)، يقول في مقدمة كتابه “خبراء الأمن الذين قاموا بتحليل الشبكة المخترقة للحزب الديمقراطي الأميركي لاحظوا نمطا غريبا لعملية الاختراق، وأن الأدوات والوسائل التي استخدموها كانت باهظة الثمن من حيث التكلفة المالية، مما يؤكد أنهم لم يكونوا مجرد هاكرز عاديين، وخصوصا قيامهم باستغلال ثغرات لم تكن معروفة أبدا من قبل، وحدد الخبراء أن الاختراق كان من عمل مجموعتين مشهورتين وعلى علاقة وطيدة مع المخابرات الروسية، المجموعة الأولى تسمى ‘الدب اللطيف’ والأخرى تدعى ‘الدب الدافئ".

الحرب الإلكترونية وعمليات القرصنة لم تقتصر على العمليات ذات طابع سياسي، بل طالت الكثير من الشركات وعملائها حول العالم، إما بهدف الابتزاز المادي وإما بهدف التخريب. تعطيل مواقع شركات كبرى وسرقة بيانات نصف مليار مستخدم لياهو خير مثال على ذلك. وهذا التصاعد في الحرب الإلكترونية لن ينتهي أو يهدأ بانتهاء العام 2016، بل من المرجح أنه سيتصاعد ويكون أكثر وضوحا وجزءا لا يتجزأ من الحياة المعاصرة في الأعوام القادمة.

سنواجه كأفراد تحديات لم نعرفها من قبل ونحن نحاول التعايش مع حياة الإنترنت محاولين الاستفادة من الفرص التي تقدمها لنا دون أن ندفع ثمنا باهظا لذلك. مع أن أغلب شركات الاتصال الكبرى، مثل فيسبوك وأبل ومايكروسوفت وغوغل وغيرها، جعلت من تشفير المعلومات والمحافظة على أمن وخصوصية المستخدم العادي أولوية كبرى، إلا أنها صارت تتعرض لضغط كبير من قبل حكومات غربية عديدة تطالبها بخفض درجات التشفير وأمن المعلومات لكي تتمكن هذه الحكومات من مكافحة الإرهاب.

وفي الماضي شهد العالم ثورة النقل البحري وانتشار الآلاف من السفن التي كانت تجوب بحار العالم، تنقل البضائع والمعلومات وتقرّب المسافات، صاحبها ظهور القراصنة وانتشارهم وتصاعد قوتهم حتى باتوا يهددون إمبراطوريات واقتصادات دول بأكملها.

وستشهد السنوات القادمة اعتمادا عالميا أكبر على الإنترنت والاتصالات وازدهارا يطال كل مناحي الحياة. وسيصاحب هذا ازدهار مواز لعمليات القرصنة وظهور تحديات لم نعرفها من قبل.

محلل تكنولوجي

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر