الاحد 22 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10520

الاحد 22 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10520

تونس.. في الإرهاب والتوبة عنه

مهما يكن المفهوم الذي يعطى لمصطلح 'التوبة' فإنها تبقى غامضة غير مقنعة لأنها مخالفة لكل الأعراف الدولية في التعامل مع هذا الصنف من القتلة.

العرب د. إبراهيم بن مراد [نُشر في 2016/12/29، العدد: 10498، ص(9)]

يمكن أن نقول دون مبالغة إنّ تونس لم تعرف منذ الاستقلال من المشكلات المعقدة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية ما عرفته منذ حلّ ركبُ الإسلام السياسي بها خلال سنة 2011، وخاصة بعد وصوله إلى الحكم الذي ميزته ظاهرة “التدافُع” السياسي والسعي إلى “التمكُّن” وفتح أبواب البلاد للدعاة والمبشرين بالثقافة الإسلامية الجديدة، وغض الطرف عن الجماعات المتطرفة الحاملة للسلاح من أجل تحقيق الغاية التي يحلم بها الإسلاميّون أنفسهُم وهي إقامة الخلافة.

وقد اغترّت الجماعةُ بطيبة الناس نحوهم لاعتقادهم أنهم “يعرفون الله” فأعطوهم من الأصوات في الانتخابات أكثر مما يستحقون، وكان من أهم مظاهر اغترار الجماعة أن اعتقد قادتها أنهم باقون في السلطة العقودَ الطويلة من الزمن.

ومن أهم وسائل التمكّن تكوينُ “حُماة النظام”، وقد عرفَ الناسُ منهم صنْفا تمثله ميليشيات منفلتة عُرِفَتْ بـ”لجان حماية الثورة” التي كانت لها صولاتٌ وجولاتٌ من ترهيب الناس وتخويفهم بوسائل مختلفة بلغت درجة القتْل العمْدِ في حادثة سحلِ لطفي نقّض؛ ويمكن للملاحظِ أن يرى في “الجماعات الجهادية” التي أرسلت إلى العراق وسوريا وليبيا لقتال مسلمين آخرين صنفا ثانيا من “حماة النظام”: فهم يعبّرون عن “غضب” الإسلام “الحقيقي” الذي تؤمن به الجماعة وتعمل على نشره وفرضه، وهم بتدرّبهم على حمل السلاح بمختلف أنواعه وعلى استعماله يصلحونَ لأن يُكَوِّنوا اللبنة الأولى في “جيش الخلافة” الذي يُهيَّأُ للمستقبل.

لقد كان الإعداد لهذا “البرنامج” السياسي الإسلامي في نظر أصحابه واقعيا ومعقولا في ظل سلطة يعتقدون أنهم باقون فيها “ديمقراطيا” العقود الطوال من السنين، فإن الذين أُرْسِلوا إلى الجهاد يمكن لهم أن يعودوا إلى البلاد تحت رعاية “الدولة الإسلامية” التي ترعاهم وتعوّلُ عليهم في مشاريعها، ولكنّ الجماعة قد أُخْرجتْ من السلطة إخراجا، ثم خَيّبتْ صناديقُ الاقتراع سنة 2014 آمالها فلم تحصلْ على المرتبة الأولى فانتُزِعَت منها أولويّتها في الاختيار، ثم فَرضت عليها الظروف العالمية والإقليمية والوطنية أن تقبل بدور “الشريك” المتواضع في السلطة رافعة شعار “التوافق” بعد أن كانت ترفعُ شعار “التدافُع”.

وقد أدت هذه التغييرات إلى سقوط بعض المشاريع من البرنامج، إما بتجميدها آنيا وإما بالتخلي عنها في الظاهر على الأقل، ومما قالت الجماعةُ إنها تخلت عنه المزجُ بين السياسي والدعوي فرفعت شعارَ الفصلِ بينهما، ومنه دعم الجماعات الجهادية بتصنيفهـا “أنصار الشريعة” جماعةً إرهابية.

ولم ينْطلِ فصلهـا بين السيـاسي والدعوي على كثيرين، لأن منطق قادتها وأتباعها مازال متشبّثا بالمرجعيات الدينية الدعوية مدافعا عنها. وأما التخلي عن دعم الجماعات الجهادية فكلام يَظهرُ في المواقف الرسمية لكنه يغيب في النوايا وفي التطبيق.

ولعل أهم ما يدلّ على أن الجماعة مازالت على دعمها للجماعات الجهادية أمران:

الأول هو طلب قادتها سنّ ما سُمِّيَ بقانونٍ للتوبة: أي أن يُقْبَلَ العائدون إلى البلاد من “أرض الجهاد” بعد أن عذّبوا وقتّلوا ودمّروا وشرّدوا أناسا أبرياء، وشاركوا في تخريب أوطان كانت آمنة قبل زحفهم عليها، فتُفْتَحَ لهم الأبوابُ ويندمجوا في المجتمع من جديد وكأنهم لم يُجْرِموا في حقّ الإنسانيّة.

ومهما يكن المفهوم الذي يُعطَى لمصطلح “التوبة”، فإنها تبقى غامضة غير مقنعة لأنها مخالفـة لكل الأعراف الدولية في التعامل مع هذا الصنف من القَتَلَةِ، أوّلا لأنهم أجرموا متعمّدين وكلّ عفو عنهم يُعدّ تشجيعا لهم على مواصلة أعمالهم مهما تكن وعود التوبة التي يقدّمونها، وثانيا لأن الغاية من الدعوة إلى إدماجهم في المجتمع تبـدو مشبوهة لأنها قد تعني الرغبةَ الحقيقيَّةَ في الاحتفاظ بهم لوقت الحاجة إليهم لاستعمالهم، نقول هذا ونحن نتذكر قول أحد منظّري الجماعة في وقت قريب في إحدى الصحف مهدّدا بما قد يحدُثُ إذا أُقْصُوا من السلطة “إما التّوافقُ وإما الحربُ الأهلية”.

هذه الجماعات التي تريد العودة إذن قد تدربتْ على السلاح واكتسبت خبرةً به وباستعماله، فاستعملتْه ليس في قضية عادِلة مثل القضية الفلسطينية، التي يقاوَمُ فيها محتلّ مجرم تحلّ مقاومتُه دفاعا عن الحقّ، بل استعملته في قتل مسلمين عرب أبرياء لا ذنب لهم إلاّ وجودهم في أوطانٍ تثير “غضبَ” الإسلام السياسيّ .

والأمر الثاني هو الموقف المعلن من هذه الجماعات. ونريد أن نستدل عليه بما يكتبه أتباع الجماعة في بعض الجرائد الإسلامية عندنا.

ومن هؤلاء كاتبٌ يرى في الجماعات الإرهابية التونسية “مقاتلـين من أجل قضية”، ثم هو يستغل حادثة اغتيال محمد الزواري ليرى فيهم “مقاومين”. فقد رأى في الزواري نموذجا تونسيا للمقاومة، وعمّم تجربته على غيره بقوله “نحن متفائلون بنشأة خـط مقاوم يقطع مع الخيـارات الرخوة وينأى بنفسه عن الاصطفاف مع المخاتلين ليقتحم المستقبل المفتوح على المقاومة الإنسانية الشاملة لكل قوى الاستكبار حيث كانت وأيّا كانت. فلا معنى لثورة لا تنخرط في جبهة التحرر العالمي (…) سواء واجهت الاستبداد والظلم الاجتماعي أو واجهت الاحتلال ومشاريع النهب الاستعماري”.

وما يُسْتَنْتَجُ من الفقرة التي قدمنا هو تعميم تجربة محمد الزواري على غيره من التونسيين المنتميـن إلى الجماعات الجهاديـة. فالكاتب يتحدث عن “نشأة خطّ مقاوم” تونسي “يقتحم المستقبل المفتوح على المقاومة الإنسانية الشاملة”، ويتحدث عن انخراط الثورة التونسية في “جبهة التحرير العالمي”. ولا نظن الكاتب يقصد مشاركة محمد الزواري في المقاومة الفلسطينية فقط لأن من السذاجة أن نعمّم تجربة فرد على غيره من التونسيين، بل الأقرب إلى المنطـق والمعقـول أن يكون انخراط الثورة التونسية في جبهة التحرير العالمي انخراطا شاملا للزواري – وقد كان مقاوما مجاهدا بحقّ – وللجهاديين الإرهابيّين في بؤر التوتّر. فجميعهم “مقاتلون من أجل قضية” أو هم “مقاومون منخرطون في جبهة التحرير العالمي”، وهم لذلك لا يُسَمَّوْن في نظر الكاتب ونظر الجماعة إرهابيّين بل هم في أسوأ حالاتهم “مرضى غاضبون” يستحقون أن يعودوا إلى أرض الوطن ليُدَاوَوْا من مرضهم. أما محاسبتهم ومحاكمتهم على ما اقترفت أيديهم من الجرائم فلا أحد يضمنُ أن تكونا على الوجه المطلوب في تونس، إذ يكفي أن ينكروا مشاركتهم في الإرهاب ليسهُلُ إخلاء سبيلهـم “لعـدم كفـاية الأدلّة”، وقد شاهدنا من قبل إخلاء سبيل من تورط في الإرهاب في تونس ذاتها. لـذلك ينبغي أن تكـون المحاسبـة والمحـاكمة في البلدان التي أجرموا فيها لأنها أعلم بما اقترفوا من الجرائم.

كاتب وجامعي تونسي

د. إبراهيم بن مراد

:: مقالات أخرى لـ د. إبراهيم بن مراد

د. إبراهيم بن مراد

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر