الاربعاء 22 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10820

الاربعاء 22 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10820

التائبون عن حلم الجنة

المعضلة الأكبر تكمن في المد البشري للآلاف من المجندين الذين استطاع تنظيم داعش تطويعهم من بيئات ودول مختلفة للقتال في صفوفه، وفي عودة هؤلاء المقاتلين إلى بلدانهم، وبالتالي اتخاذ الطريقة المثلى للتعامل مع ملفاتهم.

العرب هوازن خداج [نُشر في 2016/12/30، العدد: 10499، ص(9)]

استطاع تنظيم داعش منذ بدء تأسيسه رسم خطواته بشكل دقيق لتحقيق وجوده “ككيان” مستغلا حالة التوتر التي تعيشها المنطقة بمختلف تأويلاتها وحالة الشعور بضياع الهوية الإسلامية واستعادة الحلم بتأسيس دولة الخلافة، وتمكن خلال فترة قصيرة من امتلاك مقوّمات دولة من الناحية العسكرية والجغرافية والسكانية والمالية والعملية، وفرض نفسه كنموذج أولي لدولة بلغت مساحتها في أقصى تمددها ضعف مساحة سوريا، كما استطاع جذب عدد كبير من الموالين لفكره فعمل ضمن معطيات محددة وأيديولوجية متماسكة تؤمّن له البقاء والاستمرارية.

ما بلغه تنظيم داعش من التطرف بحالته غير المسبوقة في التنظيمات السياسية والعسكرية ذات الأيديولوجيا المتطرّفة شكّل معضلة كبيرة، والحرب المفتوحة التي استهدفت داعش ومقاره الرئيسية وضيقت الخناق على الوافدين من الخارج للانضمام إلى صفوفه، أعطت نتائجها في خسارة الأراضي والتراجع الميداني والحدّ من توسعه، لكنها ليست بداية النهاية للتنظيم، ولن تؤثر على ما زرعه داعش بعد أن استطاع أن يرسّخ وجوده كفكرة جاذبة، فالمعضلة الأكبر تكمن في المدّ البشري للآلاف من المجندين الذين استطاع تطويعهم من بيئات مختلفة للقتال في صفوفه، وفي عودة هؤلاء المقاتلين إلى بلدانهم، وبالتالي اتخاذ الطريقة المثلى للتعامل مع ملفاتهم.

وفي تقرير بعنوان “الخطر الجهادي”، رأى حوالي 20 خبيرا أميركيا أنه “ما أن يدخل عدد من المقاتلين الأجانب حالة التعبئة من الصعب جدا إبطالها”، وأضاف التقرير “من المؤكد ان المقاتلين الأجانب الذين بطلت تعبئتهم سيواصلون لعب دور في الحركات الجهادية المعاصرة بصفة داعمين أو وسطاء، ولو أنهم لم يعودوا يقاتلون”. وما شهدته تونس من تظاهرة لعدد كبير من منظمات المجتمع المدني ومن الأحزاب السياسية، للتعبير عن رفض عودة “الإرهابيين” التونسيين من بؤر التوتر، والمهاجرين غير الشرعيين (الحرّاقة) وضد قانون “التوبة” ورددوا شعارات “لا توبة.. لا حرية.. للعصابة الإرهابية” تصبّ في خوف المجتمع التونسي على مستقبل البلاد من جراء هشاشة الوضع الأمني، هذه الهشاشة التي تعاني منها معظم الدول العربية لا تقتصر على الوضع الأمني وانعدام القدرة على مراقبتهم أو القدرة على إعداد برامج لإعادة تأهيل “التائبين عن داعش”، إنما على إمكانية تحصين المجتمعات وجعلها تقف بوجه الإرهاب ورفض ما أسّسه داعش أو غيره من التنظيمات التي تروّج لمبادئها المتطرفة، بزعم أنه مادامت مبادؤها في غاية الصفاء فلا بد أن ينصرها الله في إقامة الخلافة الإسلامية القادرة على صون حقوق المسلمين. هذا المبدأ كان دافعا للانضمام تحت ألوية جهادية تعتبر نفسها الحامية للأمة والدين، وتدّعي التمثيل الصحيح للدين.

ما أيقظه داعش والفكر الجهادي داخل العقول المتعصبة، لا يمكن إخماده أو معرفة حجم الحاضنة الشعبية التي تتقبل مثل هذا الفكر باعتباره طريقا مضمونا نحو الجنة حتى لو عبّدته دماء الأبرياء، واستمرار التعامي عمّا يعتمل داخل المجتمعات العربية من مقدار العداء والتكفير للآخر، ومقدار الاستخدام النفعي للدين الذي تتبعه الجماعات السياسية الداعية لنصرة الديني المنزّه على الدنيوي الذي يغصّ بتناقضاته واخفاقاته الاقتصادية والاجتماعية والذي تعانيه الدول العربية، سيؤدي إلى انفجارات قادمة تزلزل البلدان العربية، لهذا على من يريدون فعلا إنهاء هذه الظاهرة واستئصالها من العالمين العربي والإسلامي، اتخاذ خطوات حاسمة لمحاربة الأفكار الإقصائية المتعصبة والتطلع إلى مشكلات الشعوب المعيشية للحدّ من التبعية الروحية لما تقدمه هذه التنظيمات بفكرتها عن السلطة المطلقة من أوهام العدالة والرحمة وتصور العيش في كنفها جزءا من الجنة رغم ما تقدمه من جحيم.

كاتبة ورسامة سورية

هوازن خداج

:: مقالات أخرى لـ هوازن خداج

هوازن خداج

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر