الثلاثاء 22 اغسطس/اب 2017، العدد: 10730

الثلاثاء 22 اغسطس/اب 2017، العدد: 10730

الشعر والتعليم

استبعاد نماذج الشعر العربي الحديث الراقي من المقررات الدراسية، هو عملية إسقاط للتخلف على المنظومة التعليمية وهي تدخل من دون أدنى شك في إطار العداء لطموحاتنا في صنع الانسان الجديد.

العرب أزراج عمر [نُشر في 2016/12/30، العدد: 10499، ص(15)]

لا تزال المقررات الدراسية في منظوماتنا التعليمية، سواء كانت في مجالات العلوم الإنسانية والآداب وفي الصدارة الشعر، متخلفة ولم تتفتح منذ استقلال بلداننا على العناصر العصرية والحداثية. ويلاحظ المهتم بمحتويات الكتب المقررة في المراحل التعليمية الأساسية والثانوية من طرف وزارات التربية والتعليم عندنا أن اغلب النصوص التي تفرض على تلامذتنا تنتمي شكلا ومحتوى إلى النمط المغرق في التقليدية ويعود السبب في ذلك إلى أن اللجان الرسمية، التي تعين بمرسوم وتناط بها مهمة انتقاء النصوص، متكونة من أشخاص تقليديين لاعلاقة لهم بالتطورات الجديدة التي تشهدها الساحة الثقافية والفنية والفكرية العربية.

إذا اخذنا حقل الشعر كنموذج فإننا نجد أن تسعين بالمئة من القصائد المقررة رسميا ويمتحن فيها التلاميذ في مراحل التعليم الابتدائي، والمتوسط، والثانوي ببلداننا هي من النوع المدعو بالشعر التقليدي الذي يغلب عليه النظم الصرف الخالي من التجربة الإنسانية التي يجسدها البعد الجمالي الحداثي الراقي. إن هذا التوجه السلبي لمنظومتنا التعليمية قد ساهم ولا يزال يساهم في خلق أجيال تقليدية مقطوعة عن العصرنة والتحديث وعن التواصل مع الإنتاج الشعري العربي الحديث في أرقى نماذجه وشعراء الحداثة العرب البارزين.

إذا كان التلميذ الأوروبي يتربى منذ نعومة أظافره على التجارب الشعرية الجمالية المتطورة لشعراء مثل غارسيا لوركا، وبول فرلين، وبودلير وأرثر رامبو، ولوتريامون، ورونيه شار، وإيليوت وبول إلوار، وأراغون وغيرهم، فإن تلامذتنا تحشى رؤوسهم بما يسمى بقصائد الإخوانيات، والحماسة والمراثي، والمدح، والقدح، وبالمقطوعات التي تدعى خطأ بالشعر الوطني وهي بعيدة كل البعد عن ذلك بأي معيار نقدي أدبي حداثي. فالتلميذ الأوروبي الذي تربى على النصوص الإبداعية التي تتنفس أوكسجين روح الحداثة والعصرنة الشعرية فكرا ومحتوى وتجارب جمالية، سينقل ما تعلمه وتأثر به عندما يكبر وينضج إلى علاقاته بالناس، ويبني على أساسها شخصيته القاعدية، أما تلميذنا العربي فإنه سيعيد حتما إنتاج أنماط التقليدية الشعرية التي ألصقت بوجدانه في حياته الخاصة، وسيكرسها بوعي أو عن غير وعي أيضا في علاقاته مع البشر في محيطه الاجتماعي.

وفي هذا السياق، لا بد من القول إن استبعاد نماذج الشعر العربي الحديث الراقي من المقررات الدراسية، هو عملية إسقاط للتخلف على المنظومة التعليمية وهي تدخل من دون أدنى شك في إطار العداء لطموحاتنا في صنع الانسان الجديد. وهكذا أعتقد أن دور نقادنا لا ينبغي أن ينحصر فقط في غربلة الإنتاج الشعري العربي القديم والحديث والمعاصر والانتصار للتجارب الشعرية الأكثر رقيا وحداثة، بل إن لهم مسؤولية أخرى تتمثل في التصدي بالنقد للبرامج والمقررات الدراسية التي تناهض الحداثة الشعرية أيضا.

كاتب من الجزائر

أزراج عمر

:: مقالات أخرى لـ أزراج عمر

أزراج عمر

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر