الاربعاء 29 مارس/اذار 2017، العدد: 10586

الاربعاء 29 مارس/اذار 2017، العدد: 10586

تونس وأردوغان.. 'الفائض' الوظيفي الإرهابي

تحول 'الإرهابيين' إلى فائض وظيفي استراتيجي يفسر المسلكية السياسية 'الوصولية البراغماتية' لأردوغان مع من كان يسميهم أمس بـ'الأنصار' و'الثوار'.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2016/12/31، العدد: 10500، ص(4)]

"الأمن الوطني" مرتبط أشد الارتباط بمفهوم “الزمن الاستراتيجي” القادر إما على استشراف المخاطر قبل وقوعها وإما على التعاطي معها كمعطيات قبل تحولها إلى استحقاقات وفواجع على الوطن والمواطن”.

عمل المخابرات والاستعلامات يضاف إليه التفكير السياسي الاستشرافي في التوازنات المحلية والإقليمية والدولية، ويصبان في خانة امتلاك وحيازة الدول الحقيقية لمقاربة “الزمن الاستراتيجي” وتجنب أي عطب في المسلكية السياسية يحول دون تأخير في مسايرة استحقاقات الواقع ومخاطره وتحدياته أيضا.

من الواضح أننا نعيش في وطن عربي لا يصنع هذا “الزمن الاستراتيجي”، بقدر ما تصنع على أرضه مفاعيل استراتيجية جديدة وتتغير في مصره توازنات دولية وإقليمية.

من الواضح أيضا أن الوطن العربي عامة -وتونس تحديدا- يعيش مرحلة الاستتباع لهذا الزمن الاستراتيجي، بيد أنه من الواجب أن تكون له القدرة على استشراف ملامحه وشواهده.

تقريبا كافة حكومات ما بعد 14 يناير 2011 في تونس كانت أقصر وأعجز عن محايثة “الزمن الاستراتيجي” الأمر الذي أفضى إلى تحالفات مخطئة واصطفاف خطير ورهانات خاسرة.

اليوم، تعيش تونس استحقاق “عودة الدفعات المتبقية من الإرهابيين” من بؤر التوتر إلى البلد -لا بد أن نتذكر دائما أنّ 800 إرهابي رجعوا فعليا-، وما كان لتونس أن تعرف هذه المعضلة لو تريثت الدبلوماسية التونسية في عهد الترويكا قليلا وراجعت حساباتها الإقليمية والدولية وقرأت جيدا “الزمن الاستراتيجي” في الشرق الأوسط ومنطقة آسيا قبل الانخراط في المحور التركي القطري.

المفارقة الكبرى أن الدولة الإقليمية ذاتها التي انخرطت تونس في مقاربتها السياسية، ودفعت جزاء تحالفها المباشر جزءا كبيرا من قوتها الناعمة في الاعتدال والوسطية وأجزاء من إرثها الدبلوماسي في التعامل الحصيف مع التوازنات الدولية، -الدولة ذاتها- تنخرط فعليا في التسوية السياسية والعسكرية في سوريا وتستحيل جزءا من الثلاثية الإقليمية لوقف إطلاق النار في الشام.

والمفارقة الأكبر، أن الدولة ذاتها التي فتحت حدودها وأرضها وإعلامها ومخيماتها للإرهابيين التونسيين، بل والأدهى أنها أعلنت نصف تطبيع مباشر مع الدولة الإرهابية في الرقة عبر شرائها للنفط من داعش وتفكيكها لمصانع حلب داخل تركيا، هي نفسها تدفع الآلاف من الإرهابيين والتكفيريين التونسيين إلى الخروج “الآمن” من منطقة الشرق الأوسط بعد أن أتموا نصيبا من المهمة الوظيفية القذرة وعجزوا عن تأمين الآخر.

بالمنطق نفسه “الفائض الوظيفي” الذي اعتمده الأميركان في الفيتنام حيث تركوا وراءهم مجموعة من العملاء ينتظرون مصيرهم فوق سقف السفارة، والذي انتهجته واشنطن في أفغانستان بعد خروج الاتحاد السوفييتي حيث تركت غابة من السلاح والمسلحين وراءها سرعان ما استحالوا ألغاما متفجرة في الجزائر ومصر وليبيا وغيرها، وبالمسلكية ذاتها التي اتخذتها إسرائيل مع جيش لحد في جنوب لبنان في 2000 .. تتصرف أنقرة اليوم مع الإرهابيين التونسيين حيث تغلق في وجوههم كافة فرضيات البقاء في سوريا أو تركيا ليكون المصير الوحيد الرجوع إلى البلد ذاته الذي أحرقوا جواز سفره وتبرأوا منه في يوم من الأيام.

تحول “الإرهابيين” إلى فائض وظيفي استراتيجي يفسر المسلكية السياسية “الوصولية البراغماتية” لأردوغان مع من كان يسميهم أمس بـ“الأنصار” و“الثوار”، ذلك أن الرهان والمصلحة يصنعان الراهن والأداء، وليس العكس.

ولئن كانت من رسالة للتائهين بأردوغان من حكام تونس بالأمس واليوم، فهي كامنة في أن البراغماتية الخالية من الميثاقية المبدئية هي التي تصنع أداء أردوغان، وأن كافة العناوين الاحتفائية للإسلاميين بالرئيس التركي والتي تبدأ من “عدو إسرائيل” و“ناصر المستضعفين” ولا تنتهي عند “قاهر الروس والفرس”، ضرب بها أردوغان، نفسه، عرض الحائط عندما اصطدمت المصالح بالمبادئ والعناوين الفضفاضة.

وهو بهذا المعنى يحيل أنصاره من الإسلاميين وغيرهم إلى “فائض وظيفي” في لعبة الأمم. صحيح أنه استعان بهم في الحرب ضد سوريا، ولكنه سرعان ما تخلى عنهم في التسوية الشاملة بسوريا.

ما يعيشه الشرق الأوسط اليوم هو الفائض الوظيفي للإرهابيين التونسيين في زمن استراتيجي اسمه إرهاصات التسوية العسكرية والسياسية في سوريا وبداية التغول الروسي. وما تعيشه تونس اليوم هو فاتورة الانخراط الأعمى في مكاسرات إقليمية ودولية تكون فيها تونس الخاسر الأكبر سواء انتصر هذا المحور أو ذاك أو تشاركا في الانتصار والانكسار.

وكما كان شباب تونس من إرهابيين وتكفيريين بيادق في لعبة الأمم في الشرق، فلا غرو أن يكونوا غدا بيادق في لعبة مكاسرة واحتراب في الغرب العربي. العناوين كثيرة والجغرافيات المشتعلة أكثر وقابلية الانفجار موجودة والإطفائيون رغم قلتهم مهتمون اليوم بالشام عن شمال أفريقيا.

لننتظر 2017 ولنر..

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر