الجمعة 17 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10815

الجمعة 17 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10815

نحو نظام عالمي جديد في أوراسيا

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عازم على خلق أوراسيا جديدة تقودها روسيا وتدعمها الصين، لتكون مركزا لنظام عالمي يهدد المؤسسات الديمقراطية الغربية.

العرب جيمس دورسي [نُشر في 2017/01/03، العدد: 10501، ص(7)]

بات واضحا أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عازم على خلق أوراسيا جديدة تقودها روسيا وتدعمها الصين، لتكون مركزا لنظام عالمي يهدد المؤسسات الديمقراطية الغربية؛ نظرية مؤامرة غريبة الأطوار. وقد تكون هذه الخطة أمرا بعيد المنال، لكن تم الحديث بشأنها، وأضحت مصدر قلق منذ شنت روسيا حربا إلكترونية ضد الولايات المتحدة الأميركية. ودقت المخابرات الألمانية ناقوس الخطر، وتأكدت مخاوف قادة أوروبا الشرقية بأن موسكو وبكين يمدان أيديهما لأنصار هذه الفكرة من الغربيين.

سواء كان هناك حضور لنظرية المؤامرة أم لا، ترى وكالات الاستخبارات الغربية، إلى جانب العديد من المحللين، أن أسلوب التحركات الروسية من شأنه أن يخدم المصالح الصينية، ولا سيما إذا تبنى الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب نهجا تصعيديا في المواجهة مع بكين.

استعان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مرارا بنظرية المؤامرة التي تدّعي دعم الغرب لمحاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو الماضي ضد حكومته ولجماعة مالية دولية غامضة تسعى إلى تقويض الاقتصاد التركي. وردا على ذلك، تقدم بطلب لعضوية تركيا في منظمة شنغهاي للتعاون، وهي مجموعة تضم دول آسيا الوسطى إلى جانب الصين وروسيا.

ولا يرغب أردوغان في إفساد علاقاته مع الغرب بشكل تام، ولكنه سعيد باللعب مع كلا الطرفين من خلال اعتماد نهج يتلاءم مع المفاهيم الأوراسية.

دعا دوجو بيرينجيك، وهو علماني يساري، والذي كان لفترة طويلة صوتا هامشيا، أردوغان إلى قطع العلاقات مع الغرب والاصطفاف إلى جانب روسيا والصين. وقال المفكر التركي، مصطفى أكيول وغيره من النقاد إن نظرة بيرينجيك -التي تنص على قيام تحالف بين روسيا والصين وتركيا لتحل محل النظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة- أصبحت عملة في أنقرة وموسكو وبكين.

ويأتي صعود حزب الوطن، الذي ينتمي إليه بيرينجيك، على خلفية قدرته على إقامة قنوات خلفية لإجراء مصالحة مع روسيا بعد قطيعة في العلاقات ومقاطعة المنتوجات الاقتصادية الروسية في أعقاب إسقاط تركيا لطائرة حربية روسية في عام 2015.

ويجري بيرينجيك، إلى جانب النائب عن حزب الوطن إسماعيل حقي بكين، وهو رئيس سابق للمخابرات العسكرية التركية اتصالات مكثفة في موسكو بما في ذلك مع مستشار السياسة الخارجية لبوتين، ألكسندر دوغين، للتوسط في المصالحة مع الموافقة الضمنية لأردوغان. وتم دعم المصالحة من طرف رجال أعمال أتراك مقربين من الرئيس والذين تضرروا من المقاطعة، والضباط الأوراسيين القوميين .

عملت عدة عوامل لصالح فكرة الأوراسيين. العامل الأول، هو العلاقات المتوترة بشكل متزايد بين تركيا والغرب. والعامل الثاني، هو رفض الغرب للقضاء على حركة خدمة التي أسسها رجل الدين فتح الله غولن، الذي تحمله تركيا مسؤولية قيادة الانقلاب الفاشل. والعامل الثالث، هو الانتقادات الغربية لقمع أردوغان الجماعي لمنتقديه. وقد كثفت الخلافات حول سوريا التفكير المؤيد للأوراسيين.

يصب اصطفاف أردوغان المزعوم مع الأوراسيين في صالح مسعى روسي أكبر لتأجيج مشاعر الجناح الشعبوي واليميني في الغرب والتدخل في شؤون الدول السوفييتية السابقة. إلى جانب الصين، التي تسعى مبادرتها لطريق الحرير إلى ربط أوراسيا مع بعضها البعض من خلال التجارة والبنية التحتية، وتسعى روسيا إلى الوصول إلى المثقفين والسياسيين الذين صدمت وجهات نظرهم بطموح موسكو.

وقد حمّل الرئيس الأميركي المنتهية ولايته باراك أوباما بوتين شخصيا مسؤولية اختراق أجهزة كمبيوتر الحزب الديمقراطي لتقويض حظوظ المرشحة الديمقراطية للانتخابات الرئاسية هيلاري كلينتون. وتوصل تحقيق أجرته صحيفة نيويورك تايمز إلى أن الحرب الإلكترونية الروسية لعبت دورا رئيسيا في هزيمة المرشحين الديمقراطيين في السباقات المحلية لمجلس النواب.

حذر رئيس جهاز المخابرات الخارجية الألمانية برونو كال، الشهر الماضي، من أن روسيا قد تحاول عرقلة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في الانتخابات المقبلة. وقال في تصريح لصحيفة زود دويتشه تسايتونج الألمانية “لدينا أدلة على أن الهجمات الإلكترونية التي تجري ليس لها غرض سوى إثارة حالة من عدم اليقين السياسي”.

وفي وقت سابق من هذا العام، ذكرت وسائل إعلام ألمانية أن السفارة الروسية في برلين كانت تمول أحد المشتركين في ندوة السياسة الأمنية التي استضافها حزب البديل من أجل ألمانيا ليركب موجة الشعبوية من خلال سياسة معادية للمهاجرين ومواقف مناهضة للاتحاد الأوروبي. وفي فرنسا، توجه أصابع الاتهام إلى زعيمة الجبهة الوطنية مارين لوبن، المرشحة الأوفر حظا في الانتخابات الرئاسية، بأنها تلقت تمويلا من موسكو بقيمة 10.2 مليون دولار في شكل قرض روسي لفائدة حزبها.

وفي حديثه لصحيفة فاينانشال تايمز، حذّر وزير الخارجية التشيكي لوبومير زاوراليك من أن روسيا تنتهج سياسة “فرّق تسد” مع أوروبا من خلال محاولة تعزيز الشعبويين المتشككين في الاتحاد الأوروبي. ويقول مسؤولون من دول الاتحاد السوفييتي السابق إن إدارة أوباما تجاهلت التحذيرات بشأن الأنشطة الروسية التخريبية.

من جانبهما مدت كل من موسكو وبكين يديهما إلى المثقفين والصحافيين الغربيين الذين أيّدوا تقدم الأوراسيين. وحذر الصحافي التركي مراد يلكين، مؤخرا، من أن مجموعة بيرينجيك تستغل الوضع لتحظى “بالقرب من أردوغان” لتعزيز “خطة مفصلة” من شأنها أن تمزق علاقات تركيا مع الاتحاد الأوروبي.

ومع أن لا شيء من هذه الادّعاءات يرقى إلى مرتبة الأدلة الدامغة على وجود المؤامرة الروسية- الصينية، إلا أن تجاهل الغرب للمخاطر ينذر بقيام نظام عالمي جديد يمتد إلى جميع أنحاء القارة الأوراسية الضخمة.

باحث متخصص في السياسات الدولية

جيمس دورسي

:: مقالات أخرى لـ جيمس دورسي

:: اختيارات المحرر