الجمعة 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10822

الجمعة 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10822

تعليقات على حروب 'المستشارين' في سوريا

(المستشارون) الإيرانيون واللبنانيون والعراقيون والباكستانيون والأفغان واليمنيون، (الشيعة)، يقدمون (استشاراتهم) رصاصا ومفخخات وصواريخ، يهدمون بها المنازل على رؤوس سكانها في مدن سورية بعيدة الآلاف من الكيلومترات عن عقر دار داعش.

العرب إبراهيم الزبيدي [نُشر في 2017/01/08، العدد: 10506، ص(5)]

مفهوم أن السياسيين يكذبون، وأن الكذب في السياسة والدبلوماسية مطلوب، وواجب، أحيانا. وأشطرهم من يتقن تغليف كذبه بقماش سميك من الصدق، لكي يخدع به خصومه أو ضحاياه، لكن حين يكون كذب السياسيين غيرَ مُتقن، وغير مطبوخ جيدا يصبح رصاصا يرتد على مُطلقه، أحيانا كثيرة، فصيبُ منه مقتلا، من حيث لا يحتسب.

أولى كذبة مطبوخة بسذاجة وقلة دراية هي قولُ رئيس لجنة الأمن القومي في مجلس الشورى الإيراني، علاءالدين بروجردي، في حديث نقلت تفاصيله وكالة تسنيم الإيرانية شبه الرسمية، إن “الجميع في هذا العالم يدرك أن وجودنا نحن في سوريا على مستوى (المستشارين)، وأيضا حزب الله على مستوى (المستشارين). وهذا الأمر يتم بالتنسيق مع الحكومة السورية وبطلبٍ منها”.

وثاني كذبة قوله إن “إيران أو روسيا والمقاومة في (حزب الله) ذهبت إلى سوريا، بطلب رسمي من الحكومة السورية، كي تدافع عن وحدة هذا البلد واستقراره وأمنه وهدوئه”.

والمثير للشفقة هنا هو أن الرد على بروجردي جاء بسرعة، وبنفس اليوم، لا على لسان أحد أعداء نظام الولي الفقيه الكثيرين، بل على لسان المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي الذي قال خلال استقباله عوائل عناصر من الجيش الإيراني، دون لف ولا دوران، “إذا لم تتم مواجهة الحاقدين ومثيري الفتن الذين يُعتبرون أدوات لأميركا والصهيونية في سوريا لكان علينا التصدي لهم في طهران وفارس وخراسان وأصفهان”.

مقاتل برتبة مستشار

وبهذا يصفع المرشد الأعلى بروجردي على قفاه مرتين. الأولى بقوله إن الإيرانيين ومسلحي حزب الله موجودون في سوريا لمنع انتقال الحرب إلى طهران وفارس وخراسان وأصفهان، وليس للدفاع عن وحدة سوريا واستقرارها وأمنها. والثانية بقوله إن (المستشارين) الإيرانيين و(مستشاري) حزب الله ليسوا مستشارين، بل هم مقاتلون مدججون بأفضل أنواع الأسلحة وأكثر قوة وفاعلية في القتل والحرق والدمار.

فـ(المستشارون) الإيرانيون واللبنانيون والعراقيون والباكستانيون والأفغان واليمنيون، (الشيعة)، يقدمون (استشاراتهم) رصاصا ومفخخات وصواريخ، يهدمون بها المنازل على رؤوس سكانها، في مدن سورية بعيدة الآلاف من الكيلومترات عن عقر دار داعش والنصرة وباقي عصابات الذبح الإسلامي، حتى لو لم يكونوا مسلحين، ولا حتى مؤيدين للجيش الحر وباقي فصائل المعارضة.

وهؤلاء (المستشارون) الإيرانيون واللبنانيون والعراقيون والأفغان والباكستانيون واليمنيون، (الشيعة) يباهون، في إعلامهم، وفي تصريحاتهم للصحافة العالمية، بأنهم قتلوا من أحفاد يزيد المئات من الآلاف، و(وفقوا) في حرق أحياء وقرى عديدة، ومدارس ومستشفيات، وحتى مقابر، وجعلها أنقاضا، في حلب وحمص ودرعا والمثلث الرابط بين ريف دمشق وريف درعا وريف القنيطرة، وغيرها.

ومع غياب إحصاء دقيق لعدد هؤلاء (المستشارين)، إلا أن التقديرات تقول إن عدد (المستشارين) العراقيين حوالي 20 ألفا، وعدد (مستشاري) حزب الله اللبناني حوالي 10 آلاف، ومع 7 آلاف (مستشار) من الأفغان والإيرانيين.

وقد عثر الأهالي ومقاتلون من الجيش الحر على قتلى ينتمون إلى جنسيات شرق آسيوية أيضا، في ريف حلب وريف دمشق، إضافة إلى اليمنيين الحوثيين وبعض الأفارقة الذين أعلنت مواقع الميليشيات الشيعية ذاتها عن (استشهادهم)، وبالقلم العريض. فهؤلاء (المستشارون) يتولون حماية مطار دمشق الدولي، والطريق المؤدي إليه، والبلدات التي تقع على جانبيه، وهي البويضة والذيابية والنشابية ودير سلمان، التي سيطروا عليها، وهجروا أهلها، في أواخر 2012 وبداية 2013، بينما حولوا مناطق السبينة وحجيرة والديابية إلى مستوطنات لـهم وأسرهم وأسلحتهم وقواعد تدريبهم.

وفي المنطقة الشمالية من سوريا أصبحت بلدتا نبل والزهراء في ريف حلب مناطق رئيسية لـ(المستشارين)، ينتمي سكانها إلى “حزب الله” وكتيبة “قمر بني هاشم”.

وفي بلدتي “كفريا والفوعة” شمال إدلب أقيمت قاعدتان محصنتان لـ(مستشارين) حظيتا باهتمام مركز وقوي من قبل المستشار المُقدس قاسم سليماني.

وفي وسط سوريا، يتمركز (المستشارون) في قرى ريف حمص التي يصل عددها إلى 50 قرية أهمها “أم العمد، وأم جبات، وأم جنيينات”، وتشكل هذه القرى دعما قويا لـ(المستشارين) في القتال، وظهر دورها الأبرز في معركة القصير عام 2013.

أما جنوبا فيتواجد (المستشارون) في بُصرى الشام، ويتخذون من مناطق في درعا قواعد لهم، قبل أن تسيطر قوات المعارضة، قبل أشهر، على مساحات واسعة من ريف المحافظة، وتطردهم منها، وتقتل منهم العشرات.

وكان لـ(مستشاري) حزب الله دور واضح في معارك درعا، إضافة إلى (لواء الفاطميين) الذي يضم في صفوفه (مستشارين) أفغانا وباكستانيين. وقد أسرت المعارضة واحدا منهم، وبثت تسجيلا مصورا لاعترافاته. كما قتل زعيمهم الأفغاني علي رضا توسلي في معارك درعا.

المهم الذي ينبغي أن يقال هنا هو أن كل هذه الجيوش المُجيشة من (المستشارين) الإيرانيين واللبنانيين والعراقيين والأفغان والباكستانيين، وبعد خمس سنوات من الجهاد (الاستشاري) في سوريا، وبعد الآلاف من القتلى منهم، والمفقودين، والمصابين، لم تستطع أن تمنح الكبار من أعوان الولي الفقيه فرحا بالنصر الناجز الذي يريده وينتظره المرشد الأعلى علي خامنئي على عملاء أميركا والصهيونية في سوريا، خصوصا في ظل الخيانة الروسية الأخيرة لإيران بعد طردها من الوليمة، في آخر المطاف.

وخيبة الأمل الإيرانية لا يمكن إنكارها أو التستر عليها. فقد أعلنها تحليل نشره موقع “تبناك” التابع لأمين عام مجلس مصلحة تشخيص النظام الإيراني محسن رضائي، حيث قال إن “التعاون التركي الروسي ينقل طهران إلى (موقع المتفرج) في سوريا، بعد الاجتماع الثلاثي لوزراء الخارجية (تركيا ــــ إيران ــــ روسيا) في موسكو”. وقال إنه “في حال استمرار الوضع في سوريا على ما هو عليه اليوم، فإن إيران قد لا تستطيع حماية مصالحها في هذا البلد، بعد كفاح 5 سنوات”.

نعم. إن الكذب االمكشوف قد يصبح رصاصا يرتدُّ على مُطلقه. ألم يرتدَّ على رئيس لجنة الأمن القومي في مجلس الشورى الإيراني، علاءالدين بروجردي؟

كاتب عراقي

إبراهيم الزبيدي

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الزبيدي

إبراهيم الزبيدي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر