الاثنين 20 فبراير/شباط 2017، العدد: 10549

الاثنين 20 فبراير/شباط 2017، العدد: 10549

اللادولة في ليبيا والدولة 'اللاأدرية' في تونس

الفشل في الوصول إلى مصير سفيان ونذير هو في المحصلة فشل في إدارة الأزمة ودليل صارخ على أزمة الإدارة التونسية.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2017/01/09، العدد: 10507، ص(9)]

مرة أخرى، يستحضر الرأي العام التونسي قضية سفيان الشورابي ونذير القطاري في شكل فاجعة جديدة بعد أن قدّمت قناة تلفزيونية ليبية محلية اعترافات داعشي على اطلاع وتماس مباشر بملابسات قضية الصحافيين التونسيين، بإقدام تنظيم داعش على اغتيال الصحافيين التونسيين قرب درنة.

الرأي العام التونسي بات محكوما بالانفعال الإعلامي وبردّة الفعل المراوحة بين النفي والإثبات، بعد أن تركت الحكومات المتعاقبة ملفّ سفيان ونذير لآلة النسيان والتناسي على وقع الأحداث المتسارعة في تونس والمعقدة في ليبيا.

تونس التي اختارت منذ سقوط نظام معمر القذافي خيار النأي بالنفس في مجال جغرافي يمنع فيه التنائي، واجتبت الحياد السلبي في سياق حيوي من الحتمي الولوج فيه والانخراط في حيثياته والتأثير في منعرجاته، تجني اليوم ثمار سياسة الغياب.

ودون القطع في مصداقية الشهادة، ودون البحث في الرسائل التي تبتغي القناة ومن يقف وراءها توجيهها إلى الدولة التونسية، فإنه بات من الضروري على الأخيرة أن تخرج من حالة الجمود واللاأدرية حيال هذا الملفّ.

اليوم على الحكومة أن تقدّم للرأي العام المحلي وخاصة منه الجسم الصحافي موقفا واضحا من الملفّ، إمّا بتأكيد الشهادة المقدمة حول استشهادهما قرب درنة، وإمّا بالنفي عبر تقديم قرائن لترجيح فرضية وجودهما على قيد الحياة، وإما بالإعلان الواضح عن الفشل في إدارة الملفّ وتقديم الاعتذار الرسمي من قبل الحكومة وخاصة من رئاسة الجمهورية لعائلتي الشورابي والقطاري.

لن نتحامل على الفاعل الرسمي إن اعتبرنا أنّ الحكومة التونسية تتحمل جزءا كبيرا من حالة الضياع التي عليها ملف الشورابي والقطاري، لا فقط لأنّ الإدارة الحالية، وعلى رأسها الرئيس الباجي قائد السبسي، تعهدت بوضع الملف على رأس الأولويات وعلى أجندا المحادثات التونسية الليبية، بيد أنّ الوعود الانتخابية بقيت رهينة اللسان. بل وهذا هو الأهم لأنّ الحكومات المتعاقبة تعاملت مع الملف بمسلكية الحدث الآني، وليس بمقتضى القضية السيادية لصحافيين يمثلان الإعلام والعلم الوطنيين.

اقتصر الأداء التونسي على الطريقة الرتيبة في العمل الدبلوماسي عبر تكوين اللجان المختصة لمتابعة القضية دون محايثة للواقع الميداني وابتعاث للوفود وتحيين لشبكات التواصل واستثمار للرأس المال الرمزي لتونس في الأوساط الثقافية والسياسية والحقوقية والعسكرية الليبية.

ملف نذير وسفيان يتجاوز قضية صحافيين تونسيين حملا روحيهما فوق جهازي الكاميرا والميكروفون لنقل المشهد الليبي للمواطن التونسي، ليبلغ استحقاق المواطنة في دولة المواطنين لا الرعايا، ونطاق حقوق المواطن الحرّ والمسؤول حيال دولته التي تناط بعهدتها بسط اهتمامها ونفوذها حيث تتواجد جاليتها وحاملي جوازات سفرها. الفشل في الوصول إلى مصير سفيان ونذير هو فشل في إدارة الأزمة ودليل على أزمة الإدارة التونسية.

عجز السادة المنجي الحامدي والطيب البكوش وخميس الجهيناوي خلال إدارتهم لوزارة الخارجية عن الإدارة الجيدة للدبلوماسية التونسية في الملف الليبي، وبقي ثلاثتهم حبيسي المقاربة التقليدية والكلاسيكية والرتيبة والباردة لملف مشتعل يتطاير أواره في وجه تونس مباشرة.

سبق وأن حبرنا في مقالة سابقة على أعمدة “العرب” أنّ نذير وسفيان سواء أكانا فقيدين أم شهيدين ذهبا ضحية الدولة الفاشلة في ليبيا وفشل الدولة في تونس. اليوم نؤكد صحة هذه المقولة لنردفها بإقرار قوامه أنّ سفيان ونذير سواء أكانا فقيدين أم شهيدين راحا جريرة اللادولة في ليبيا والدولة اللاأدرية في تونس.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر