الاربعاء 16 اغسطس/اب 2017، العدد: 10724

الاربعاء 16 اغسطس/اب 2017، العدد: 10724

25 يناير.. ست سنوات في منحنى

الثورات الناجحة تجدد حيوية الأمم ويكرهها عبدة الماضي المطمئنون إلى الركود، ويشهد التاريخ أن من يعادي الثورات هم القضاة ورجال الدين والعسكريون.

العرب سعد القرش [نُشر في 2017/01/11، العدد: 10509، ص(9)]

الذين كانوا صبية قبل ست سنوات صاروا شبانا، لهم صوت انتخابي، وسوط يجلدون به آباء اصطحبوهم ذات ثورة، فانخرطوا مع جموع الحالمين في الطريق إلى الميادين. جيل حرّ لا يتردد في الحكم على الثورة بالفشل، ولا يقنعه الإصلاح، ولا يعترف بالمواءمات، ويرفض مقايضة الأمن بالحرية. ربما لم يقرأ تاريخ الثورات، ولكنه بالوعي والفطرة الإنسانية يرى الثورة نزعا للحكم من طبقة إلى أخرى، وبداية تغيير جذري يطلق الحريات، ويحقق عدالة توزيع الثروة والمناصب القيادية، ويضمن سيادة القانون. فهل حققت 25 يناير 2011 شيئا من هذا الطموح؟

أقول 25 يناير؛ لأنها شأن مصري، والمصري عربي بالضرورة. منذ بدأ البث التلفزيوني عام 1960 وبرامجه مسبوقة بهذه اللوحة “التلفزيون العربي يقدم..”. وننصت إلى قول المذيعة “والآن مع المسلسل العربي”، أو “مع الفيلم العربي”، وتنشر برامج التلفزيون في الصحف فقراتها “الساعة 8: مسلسل عربي”، “السهرة: الفيلم العربي إسماعيل ياسين في..”، ولم يكن المسلسل الدرامي والفيلم إلا مصريين. وكما لم يعد منزل سعد زغلول بيته، وإنما “بيت الأمة”، فإن ما هو مصري لا يكون إلا عربيا، يتاح للتناول والانتقاد بقسوة، حتى للكاظمين الثورة في بلادهم. أما مجرد إشارتنا إلى احتجاجات وثورات عربية مغدورة، فيثير حساسيات وهياجا لا يوجه إلى الدكتاتور المقيم على صدور الشعب فوق عرش من الجماجم. وكأن ست سنوات من الفشل، أدت إلى زيادة تمكين الاستبداد، لا تدعو المنظّرين إلى مراجعة المواقف، والتقاط الأنفاس، وترتيب البيت الثوري، وتقييم مستقبل العلاقة بمن يكرهون الثورات ويكفرون بمفهوم الوطن، وهم شركاء فرقاء يعد كل منهم باستبداد مضاد، ديني غالبا، مساو للاستبداد الطائفي العسكري ويزيد عليه النطق باسم الله، فيعطي شرعية للاستبداد الأول.

في كتابه “دراسات تحليلية للثورات” ينسب كرين برينتون إلى من يصفهم بالمؤرخين المحترفين قولهم إن قرب العهد بالثورة الروسية (1917)، يجعلها “غير صالحة للتناول بالروح التي يحبونها، فمصادر مادتها مبعثرة”، على الرغم من تغيير الثورة البلشفية لوجه البلاد، أيا كانت مصائر الذين خططوا ونفذوا، ثم طوردوا وطردوا وقتلوا في المنفى. ولكن ما كان يحسب بالسنين في القرن العشرين لا ينتظره زمن تطوف فيه المعلومة أرجاء الأرض في ثوان، ويسهل فيه توثيق الأحداث والمواقف، تحسبا لادعاءات الذين لم يجرؤ لينين في كتابه “مرض اليسارية الطفولي في الشيوعية” على وصفهم بالنفاق، ولكنه قال “ليس من الصعب أن يكون المرء ثوريا، عندما تكون الثورة قد اندلعت واستعر أوارها، عندما يلتحق بالثورة كل أحد، إما اندفاعا وراء الأحاسيس، وإما اقتفاء للموضة، وإما حتى أحيانا من أجل مصالح وصولية خاصة”.

لا يعود التاريخ ولا الثورات إلى الوراء، وإن شهدت بعض المراحل موجات ارتدادية عنيفة لقوى الثورة المضادة، تقترب من العنف الذي بدأت به الموجة الثورية الأولى

لا يعود التاريخ ولا الثورات إلى الوراء، وإن شهدت بعض المراحل موجات ارتدادية عنيفة لقوى الثورة المضادة، تقترب من العنف الذي بدأت به الموجة الثورية الأولى. وتتلكأ الثورات الآن في منحنيات آسنة، اختلط فيها الماء الراكد بالدم، اختلطا ولم يمتزجا. وقد طال زمن هذا المنحنى، وبعد ست سنوات تراوح الثورة مكانها، وقد أعيد تركيب المشهد الاقتصادي والبوليسي الذي ثار عليه الشعب وطمح إلى تغييره في 25 يناير. والأكثر خطورة أن تصير “الثورة” كمصطلح وفعل تغيير حالم مجردَ ذكرى سيئة السمعة، ويلاحق الداعون إليها، ليس من السلطة المعادية للثورة والحرية، وإنما من الجماهير المستهدفة بالتضحية. والأغرب أن تعجز الثورة حتى عن منح الشعب مناعة ضد أمراض الاستبداد، وتتبدد روح يناير، ويعود الخوف مكتسبا حصانة شعبية، ويكون الخيار بين نوعين من الاستبداد فيلوذ الخائفون بأهون الشرّين.

قول “لو” لا يفيد، فللتاريخ اتجاه واحد، ولكن العاقل من لا يقع في الخطأ نفسه مرتين، وفي مصر كررنا الخطأ ثلاث مرات تقريبا، بإخلاء الشارع لمن لديهم القدرة على الحشد والتأثير العاطفي، باسم الدين وبدافع الوطنية. وقع الطرفان ذات ثورة تحت رحمة الشعب، لولا الكثير من البراءة التي استهانت بتواطؤ اليمين الديني مع حسني مبارك قبل خلعه، ثم أنستنا السكرة تناقضا في بيان التنحي، بين “تخلي” مبارك عن السلطة، ومنح نفسه سلطة “تكليف” الجيش بإدارة شؤون البلاد. هو تخلى فكيف تكون له صفة “التكليف”؟

لم نشغل أنفسنا بالتفرقة بين التخلي والتنحي، بين استقالة مبارك وعزله وخلعه. كل ما فكرنا فيه، لحظة السكرة، أنّ بيانا قصيرا من 35 كلمة، بدأه عمر سليمان بالبسملة، وختمه بالتأكيد على توفيق الله، أنهى عصرا، وطوى صفحة سوداء، برموزها وأولهم مبارك ونائبه سليمان الذي سيدخل التاريخ كأول نائب رئيس لا يفعل شيئا إلا إلقاء أهم 35 كلمة في تاريخ مصر.

فرحة الخلاص أسلمتنا إلى الرضا بالمجلس الأعلى للقوات المسلحة، فاقتسم الحكم مع الإخوان والسلفيين، هو في القصر وهم الشارع. وأخليت الميادين، واكتفينا ببيانات نخاطب بها أنفسنا. وبعد تجاوز منحنى الإخوان، تحديدا قبل خطوتين من نهايته حين أعلن الجيش في بيانه أول يوليو 2013 أن “هذا الشعب الكريم عانى، ولم يجد من يرفق به أو يحنو عليه”، أخلي الميدان أيضا، حتى أن صديقا قال لي بتلقائية “لا تخش شيئا، الجيش تسلّم البلد”. ولم يشهد تاريخ الثورات أن قادة عسكريين أكملوا مشوار ثورة قام بها غيرهم، فإما أن يخططوا وينفذوا ويحكموا من اليوم الأول، وإما أن يظلوا على الحياد. وإن كانت الحالة المصرية، في 2011 وفي غيرها، كسّرت هذا النمط العسكري والثوري، فهي استثناء، ولا أدري هل هو استثناء يؤكد القاعدة أم ينسفها؟ فلم يعد لدي أي يقين.

الثورات الناجحة تجدد حيوية الأمم، ويكرهها عبدة الماضي المطمئنون إلى الركود، ويشهد التاريخ أن من يعادي الثورات هم القضاة ورجال الدين والعسكريون. يسجل عبدالعظيم حماد، رئيس تحرير الأهرام السابق في كتابه “الثورة التائهة.. صراع الخوذة واللحية والميدان”، أن أعضاء المجلس العسكري لم يتوقعوا تقديم مبارك للمحاكمة، وأن مطالبات ميدان التحرير بمحاكمته قوبلت “باندهاش ثم استياء كبير”، بل إن عضو المجلس اللواء مختار الملا قال له “فاتنا أن نعقد اتفاقا مع مبارك على عدم الملاحقة القضائية، ونعلنه للمتظاهرين ليلة 11 فبراير”. هل فاتهم شيء؟ ربما أجاب القاضي محمود الرشيدي، حين برّأ مبارك ورجاله في نوفمبر2014، قائلا “عودوا إلى مقاعدكم”.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر