الاربعاء 20 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10757

الاربعاء 20 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10757

لا خيار أمام أسر سورية في الجزائر غير طرق باب التسول

  • “نتكلم جزائري ربما أحسن من الجزائريين أنفسهم، عند دخولنا إلى الجزائر تلقينا المساعدة وتأقلمنا بسرعة مع بلدنا الثاني”.. هذا ما يقوله بعض أفراد الأسر السورية التي اتخذت من الجزائر ملجأ لها هروبا من الحرب الدامية في بلدها، لمن يريد أن يسأل عن حالها. فيما يصر البعض الآخر على التأكيد أن ظروف الحياة ليست سهلة في الجزائر، بسبب الظروف الصعبة التي تحاصرهم، وجعلتهم يفشلون في التغلب على العراقيل التي واجهتهم، بل كادوا يصابون بالانهيار لولا مساعدات المحسنين.

العرب  [نُشر في 2017/02/16، العدد: 10545، ص(21)]

الاستقرار بشكل نهائي والبحث عن عمل ليسا سهلين

الجزائر – اختار لاجئو سوريا من ساحة “بورسعيد” بوسط العاصمة الجزائرية، عنوانا رئيسيا لهم في هذا البلد الذي استقبلهم بذراعين مفتوحتين، حيث أصبحت لديهم محلات لبيع المفروشات والألبسة السورية التقليدية. يقصدون هذا المكان يوميا قادمين من مركز الإيواء بسيدي فرج (الضاحية الغربية للعاصمة الجزائرية) الذي يتكفل به الهلال الأحمر الجزائري، أو من بيوتهم التي استأجروها عند قدومهم إلى الجزائر.

لجوء بعض العائلات السورية المقيمة بالجزائر إلى الشارع لـ“التسول” من أجل سد لقمة العيش، أثار أكثر من تساؤل عن ظروف عيش وإقامة هؤلاء، وكذلك عن أهمية الإجراءات المتخذة من قبل الدولة الجزائرية للتكفل بهؤلاء اللاجئين.

يملك أحمد، المقيم بالجزائر منذ بداية الأزمة في سوريا وبالتحديد في حي “سعيد حمدين” الراقي بأعالي العاصمة الجزائر، محلا تجاريا خاصا لبيع المواد الغذائية، ويذكر أن قدومه إلى الجزائر كان منذ بداية الحرب على سوريا، وكان خيارا كون البلدين يتشابهان في العادات والتقاليد.

يقول أحمد “مع بداية الحرب في سوريا سافرت أنا وأفراد عائلتي إلى الجزائر، في بداية الأمر لم توفر لنا السلطات إقامات خاصة للاجئين، واضطررنا إلى استئجار بيت بالرغم من محدودية دخلنا من المال، لكن وبفضل الاستقبال الجيد الذي حظينا به من قبل الشعب الجزائري المضياف والمساعدات التي قدمت لنا من طرف المحسنين، نجحنا بعد فترة في التأقلم، ولم نواجه بعدها صعوبات، وتمكن أولادي من التسجيل بالمدرسة الثانوية والجامعة دون إشكال”. أحمد بدا سعيدا في الجزائر، فهو لا يشعر بأنه لاجئ أو هارب، رغم أن تقاسيم وجهه تتكلم حزنا وأسى عندما يهم بالحديث عن بلاد الشام.

الجزائر استقبلت 24 ألف لاجئ سوري منذ اندلاع الأزمة في هذا البلد، وأن السلطات بذلت كل ما في وسعها من أجل تسهيل اندماج العائلات السورية

يقول أبوباسل، وهو فلسطيني الأصل سوري الجنسية “مجال اختصاصي ليس البيع بل الزراعة، وأمام قلة فرص العمل في هذا المجال في العاصمة الجزائر، تعقدت أموري وبات ضروريا أن أجد عملا يؤمن لي مصروفي وقوت زوجتي وأطفالي الأربعة، إضافة إلى مصاريف الإيجار التي أثقلت كاهلي”.

يستشيط أبوباسل القادم من حلب غضبا ثم يضيف “لماذا يقول البعض إننا غجر ومتسولون، ويفرق البعض في ما بيننا، نحن كلنا سوريون ولا تمييز بيننا”. ويأسف للصورة المشوهة التي أراد البعض إلصاقها ببعض اللاجئين داعيا الشعب الجزائري الطيب إلى مساعدتهم وتجاوز المفاهيم الخاطئة التي تخدش كرامة الناس. كما شدد على أن وجوده في الجزائر يبقى مؤقتا وأنه سيعود فورا إلى سوريا حال انتهاء الأزمة.

دخول الأراضي الجزائرية مرورا بمصر، كان بالنسبة إلى أبي أجود الذي ينحدر من عائلة فنية بمثابة الحلم، بعد أن تعذر عليه تجاوز كل المعابر الحدودية نحو العراق أو الأردن بسبب احتدام الاشتباكات. أوزار الحرب قذفت بأبي أجود إلى بلد الشهداء، حيث استقل طائرة أتت به إلى الجزائر، بعدما عانى كثيرا من أجل الحصول على تذكرة بحجة الطلبات الكثيرة للسوريين الذين أرادوا القدوم إلى هذا البلد، كان من بين آخر من دخلوه بعد أن تقرر وقف استقبال المزيد من أبناء وطنه.

رفض أبوأجود التسول، فكر في العودة إلى سوريا رغم استمرار الحرب، على تحمل هذه الإهانة، لكنه في النهاية اهتدى إلى طريقة مكنته من تأمين مصروف يومه، من خلال صنعه لآلة “المنجيرة” أو “المجور” كما هو معروف في بلاده، أو ما يصطلح عليه في الجزائر بـ“القصبة”.

ثقيف رفض في البداية التحدث إلينا، لما استفسرنا عن سبب وجوده وأولاده يتسولون وسط الطريق بساحة الشهداء، قبل أن يعود ويسترسل “المال لا يكفيني لأضمن دفع إيجار البيت، أنا محتاج إلى المساعدة. ما شجعني أكثر على المجيء إلى الجزائر هو ما سمعته عن شيم أبناء هذا البلد، وكذلك تجربة قريب زوجتي المقيم هنا منذ سنوات”.

لكن الاستقرار بشكل نهائي والبحث عن عمل ليس سهلا، فمكوث ثقيف عند قريبه لم يكن حلا له كأب لثلاثة أطفال وزوجة، فما كان أمامه سوى البحث عن مصدر رزق والتسول ليعيل عائلته واستئجار بيت والاستقرار.

الجزائر هي الدولة الوحيدة في شمال أفريقيا، التي استقبلت هذا العدد من اللاجئين السوريين، إلى جانب تكفلها بعدد آخر من لاجئي دول الساحل الأفريقي

يرى ثقيف أن طرق باب التسول طريقة “حلال” لكسب قوت اليوم، نافيا بشدة أن تكون له علاقة بالثوار أو جمع التبرعات لتمويل الحرب ضد النظام السوري مثلما يعتقد البعض. كما نوه بأنه مريض وغير قادر على ممارسة أي عمل للاسترزاق، معترفا بأنه رفض البقاء في مخيم اللاجئين بسيدي فرج الذي يعد حسب رأيه غابة بعيدة عن وسط المدينة، حيث يمضي وقته في التسول، ليعود أدراجه إلى بيته وأولاده في سيناريو يومي بات عبئا ثقيلا، في انتظار هدوء الأوضاع في بلده والعودة إلى حضن أرضه في قريته.

وأكدت رئيسة الهلال الأحمر الجزائري، سعيدة بن حبيلس، أن الجزائر استقبلت 24 ألف لاجئ سوري منذ اندلاع الأزمة في هذا البلد، وأن السلطات بذلت كل ما في وسعها من أجل تسهيل اندماج العائلات السورية، وذلك من خلال تسهيل إلحاق أبنائها بالمدارس، بالإضافة إلى أن سوق العمل مفتوح لكل مواطن سوري لاجئ بالجزائر، سواء في الأعمال الحرة أو التجارة.

وتشير الأرقام الرسمية إلى أن الجزائر هي الدولة الوحيدة في شمال أفريقيا، التي استقبلت هذا العدد من اللاجئين السوريين، إلى جانب تكفلها بعدد آخر من لاجئي دول الساحل الأفريقي، رغم الظرف الاقتصادي الصعب الناجم عن انهيار أسعار النفط في الأسواق العالمية.

الأكيد أن اللاجئين السوريين تركوا كل ممتلكاتهم وصرفوا مدخراتهم من أجل الهروب من الحرب، لكن يبدو أن حلم الهجرة سرعان ما تحول إلى حلم العودة إلى أحضان الوطن، هذا هو حال غالبيتهم ليس في الجزائر فقط، فهم يترقبون في كل لحظة أن تزف لهم المفاوضات خبرا سعيدا يعلن انتهاء الحرب، ويرسم لهم طريق العودة إلى مكان اشتاقوا إليه كثيرا.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر