الاثنين 11 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10839

الاثنين 11 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10839

إجماع بين الشباب العربي على الإحباط والتذمر وفقدان الأمل

  • جيل كامل من المحبطين يملأ العالم العربي جراء الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية المتردية، وانعدام الديمقراطية وغياب أنظمة تحترم حقوق المواطنين وآراءهم.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2017/03/14، العدد: 10571، ص(21)]

تدخين الوقت

وُصفت مرحلة الشباب بربيع العمر وبالمرحلة الذهبية وبمرحلة الاستمتاع بالحياة، ولكن أغلب الشباب اليوم لا يشعرون بميزات عمرهم، ويسيطر عليهم التشاؤم والإحباط ، وتسرق منهم البسمة، ولا ترتسم على ملامحهم غير الكآبة، التي تعكس ما يتملكهم من خوف وتشاؤم من الحياة ومن كل ما يحيط بهم.

ويسود في العالم العربي اليوم، من المحيط إلى الخليج العربي، جيل كامل من المحبطين يحدوه شعور بالعجز والتعاسة، جراء البيئات والظروف التي وُضع فيها، والتي تحرمه من تحقيق أحلامه وترسخ لديه النظرة السوداوية للمستقبل.

ورجح الخبراء أن الظروف الاجتماعية الصعبة قد ساهمت في الرفع من نسبة الشباب المحبطين، والذين يعانون من المشاكل النفسية، كالقلق والأرق والاكتئاب، مما دفع الكثيرين منهم إلى الانتحار.

وشبه آخرون الوضع بالأزمة، مشيرين إلى أنه من الخطأ البحث عن سبب واحد يدفع الشباب إلى إيذاء أنفسهم إلى حد الانتحار.

وأشارت التنسيقية المصرية للحقوق والحريات -وهي منظمة مستقلة غير حكومية- في تقرير لها صدر عام 2015، إلى تزايد حالات الانتحار في مصر.

واللافت أن فئة الشباب ما بين 18 و35 عاما قد احتلت النصيب الأكبر من هذا الرقم، إذ بلغت 83 حالة بنسبة تقترب من 53 بالمئة.

ولا يبدو أن الشباب التونسي في أحسن حال، فالشابة التونسية نجلاء الجبالي قالت في تصريح لـ”العرب” إنها تشعر بالتشاؤم لوجودها في بلد نام مثل تونس، تتفاقم فيه البطالة وتنعدم فيه الآفاق.

وعبرت نجلاء عن خوفها من المستقبل وممّا يخبئه لها ولأبناء جيلها، معربة عن أسفها للموجة المرتفعة من الشباب المنتحرين، الذين ملوا الحياة وما فيها، جراء انعدام فرص التشغيل وكثرة التهميش، وخاصة في مناطق الشمال الغربي التي هي من سكانها وتعاني من البطالة منذ سنوات طويلة، ولم تشفع لها شهادتها الجامعية في الحصول على شغل يحفظ كرامتها، ويجعلها تشعر أن سنوات الدراسة الطويلة لم تضع هدرا.

ويشاطرها الرأي ابن بلدها حمدي خزري الذي قال إن “أبناء قرية الدهماني التابعة لمحافظة الكاف ميّتون بالحياة، فلا أحد يوصل صوتهم ولا أحد يشعر بهموهم، ومطالبهم تظل آخر ما يفكر فيها السياسيون ممن يتربعون على كراسي الحكم، وينسون الهمّ الكبير لفئات الشباب المحرومة، وخاصة أصحاب الشهادات العليا” من أمثاله.

وأضاف حمدي لـ”لعرب” قائلا “بلادنا ضاقت علينا لأننا لا نشعر فيها بقيمتنا، ولا نجد فيها من يأخذ بأيدينا، فكل شيء في زماننا يحتاج إلى واسطة ومقابل مادي، ومن لا يملك الاثنين يعش أبد الدهر في قعر الحضيض”.

وكشفت آخر الإحصائيات أن نسبة البطالة وصلت إلى نحو 15 بالمئة من إجمالي القوة العاملة في عام 2016 بعد أن كانت في حدود 12 بالمئة عام 2010.

ولا يختلف الوضع كثيرا في الجزائر، التي لم تنعكس الثروة النفطية التي تمتلكها على واقع الحياة اليومية لشبابها، ممن خنقتهم مجموعة من الأزمات مثل، البطالة وأزمة السكن وتراجع القدرة الشرائية.

يقول الشاب الجزائري حسان القليعي “لا أشعر بطعم الحياة هنا، وظروفي الاجتماعية سيئة جدا، وكم أتمنى أن تتاح لي فرصة للهجرة لتكوين نفسي وتحقيق أحلامي، وأنتشل عائلتي من الفقر”.

وتشير إحصائيات لصندوق النقد الدولي أن البطالة بين الشباب الجزائري وصلت إلى 21 بالمئة، فيما تقض كلفة السكن مضجع الآلاف من الشباب الجزائري، وفرضت عليهم خيار عدم الزواج مدى الحياة.

أما في الشرق الأوسط، التي تصل فيه نسبة من هم دون سن 30 عاما إلى حوالي 60 بالمئة من إجمالي عدد السكان، فقد تسبب شعور الشباب بالإحباط والخيبة والاستياء من أوضاعهم، في اندلاع انتفاضات في المنطقة عام 2011. ولكن رغم مرور ست سنوات، فالبطالة لا تزال متفشية والفساد مستشريا.

بسام عورتاني: طاقة الشباب تستطيع تغيير الواقع لكنها مهدورة في المجتمعات العربية

وتتميز الغالبية من دول الخليج العربي بنوع من الاستقرار السياسي بسبب الثروة النفطية، التي أسهمت في تقديم مستوى مقبول من التعليم والضمان الصحي، فضلا عن فرص العمل، إلا أن ذلك لا يبدو مضمونا بسبب تراجع أسعار النفط والأزمة الاقتصادية التي يعيشها العالم برمته.

وفي العراق على سبيل المثال، أصبحت الحياة في نظر أغلبية الشباب لا تطاق، بعد أن ارتبطت في أذهانهم بالعنف المستشري، وانعدام فرص العمل، والمستقبل المجهول، والتفسخ الاجتماعي، وشيوع التخلف في مفاصل المجتمع، مما دفع الكثيرين إلى الهجرة بحثا عن الأمن وفرص العمل.

وتقول مفوضية حقوق الإنسان إن الآلاف من الشباب يتوجهون يوميا إلى تركيا بهدف الهجرة.

وبحسب إحصائيات نشرت أخيرا، فإن 70 بالمئة من العراقيين المهاجرين هم من الشباب.

إلا أن فسحة أمل يبثها الطالب العراقي علي حسين الذي كان والده ضحية إبان الحرب الطائفية، حين يقول لـ”العرب” إنه “متفائل بالحياة رغم الظروف الصعبة التي يمر بها العراق”.

وأضاف “التفاؤل هو النور الذي ينير طريقي رغم كل الظلمات ويساعدني على تجاوز المحن، ويجدد أنفاسي ويشحن روحي بالعواطف الجميلة والحب، ويجعلني أنظر إلى الحياة بعيون حالمة وأحقق أحلامي، وأؤمن بقضاء الله وقدره..”.

وسلطت دراسة أجراها المجلس النرويجي للاجئين الضوء على تجارب أكثر من 500 شاب وشابة في الأردن ولبنان والعراق، من خلال عقد جلسات نقاشية وإجراء مقابلات متعمقة معهم. وغطت الدراسة التي حملت عنوان “المستقبل في الميزان” أربعة مجالات رئيسية وهي: الحماية والتعليم والفرص الاقتصادية والمشاركة الاجتماعية.

وأكدت الدراسة أن غالبية الشباب الذين تمت مقابلتهم يعتقدون أن الجيل الأكبر يتخذ القرارات بالنيابة عنهم، مشيرة إلى أن فرص انخراط الشباب في الأنشطة الاجتماعية والمدنية، قليلة رغم ما يتمتعون به من طاقة إيجابية وإبداع، يمكن أن يسهم في تنمية مجتمعاتهم.

وعلقت لورا مارشال، مديرة برنامج الشباب والتعليم في مجلس اللاجئين النرويجي بالأردن، عن نتائج الدراسة قائلة “الشباب العربي يواجه حواجز متزايدة في التعليم والعمل، مع فرص محدودة جدا للانخراط في الحياة الاجتماعية والمدنية. وكل هذا يدفعه إلى الظل مع الشعور بفقدان السلطة وبالإحباط”.

ويرى الدكتور بسام عورتاني، الباحث الفلسطيني المختص في علم الاجتماع في تصريح لـ”العرب” أن الشباب الفلسطيني يعد الفئة الأكثر تأثرا بالنكسات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لبلاده.

وقال “إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن الشباب يمثلون مصدر الطاقة الاجتماعية التي تستطيع تغيير الواقع المزري الحالي بكل حيثياته، فهم على الرغم من ذلك يعانون من نكسات جوهرية تجعلهم أكثر تشاؤما وإحباطا”.

وأضاف “من أسباب النظرة السوداوية للشباب العربي عموما والفلسطيني خصوصا: ارتفاع نسبة البطالة، وعدم توفر أفق مهني واضح، وإقصاؤهم من المواقع القيادية وعدم السماح لهم بممارسة حقوقهم النقابية، وكل هذه الأسباب تحول دون إدماج طموح الشباب في الحقل الاجتماعي والسياسي والاقتصادي”.

وأوضح الباحث الفلسطيني مستدركا “لكن بالإضافة إلى ذلك فالشباب الفلسطيني يقبع أيضا تحت وطأة الاحتلال ولا يسلم من القتل والاعتقال والتهجير، فضاق الخناق عليه في بلاده، وأصبح يبحث عن فرص عمل في بقية الدول العربية، وحتى هذا لم يعد متاحا في ظل أزمات اقتصادية عربية بالجملة، وبالتالي طموحه بات مرتبطا بحلم الهجرة الخارجية، إذ وصلت نسبة من يرغب في الهجرة من فئة الشباب إلى 63 بالمئة حسبما بينت دراسات الإحصاء الفلسطينية”.

وأشار عورتاني إلى أن الفضاء العام لا يملك إمكانيات واسعة من أجل إدماج الشباب في برامج توعوية وتدريبية، تتيح لهم تفريغ طاقاتهم وتنمية مواهبهم، ولذلك أصبح الشباب أكثر إقبالا على برامج مثل “أراب آيدول” وغيرها من البرامج العربية والإقليمية.

ولكن يبدو أيضا أن التشاؤم والحرمان والجرائم والتشدد الديني تسير معا، فانضمام الآلاف من الشباب العربي إلى التنظيمات المتطرفة، يعود إلى استمرار وجود نفس الأسباب المؤدية للتطرف من فقر وبطالة وتردّ في العديد من قطاعات الخدمات.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر