الاحد 24 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10761

الاحد 24 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10761

الصورة النمطية لمنتصف العمر تتغير من قرب النهاية إلى بداية جديدة

  • يبلغ العديد من الناس مرحلة منتصف العمر، وهم على يقين بأن التغيير الذي يطرأ على يومياتهم؛ تراجع نشاطهم ولياقتهم البدنية، زيادة أوزانهم وبداية سلسلة طويلة من الإصابة بأمراض التقدم في السن، إنما هو نتيجة طبيعية وضريبة لا بد منها لبلوغهم هذه السن التي يحددها متخصصون ما بين 40 و60 عاما. لكن الأبحاث الحديثة تؤكد أن الوقت حان لتغيير شيوع هذه الصورة النمطية لتبعات منتصف العمر، مشددين على أهمية التوقف عن النظر إليها باعتبارها مرحلة بداية النهاية، وبدلا من ذلك، فقد تكون في الحقيقة نهاية البداية.

العرب نهى الصراف [نُشر في 2017/01/04، العدد: 10502، ص(21)]

الأفراد في منتصف العمر عيونهم معلقة على الحاضر

يرى الدكتور موير كاري؛ وهو يعمل في هيئة الخدمات الصحية البريطانية منذ العام 1972 إضافة إلى منصبه كمدير للأبحاث والتنمية للهيئة الصحية في إقليم أكسفورد، أنه في أفضل الأحوال، هناك فرصة كبيرة للتمتع بهذه السنوات من العمر بصحة ونشاط والعيش بسلام بعيدا عن الأمراض، ويتوقف هذا كله على التخلي عن العادات السيئة وتغيير نمط الحياة.

فكل ما هنالك أن مرحلة جديدة من العمر يتوجب أن نتعامل معها ومع أجسادنا بطريقة تتطلب جهدا أكبر من السابق، للحفاظ على مستوى معين من الطاقة النفسية والجسدية لأداء الأعمال المتنوعة، فالكثير من الأشياء السيئة التي تصيب الأفراد في هذه السنة مردها إلى قلة اللياقة البدنية والتوقف عن أداء الأعمال والمشاركة المحدودة في الحياة العامة، وجزء قليل بل غير مرئي هو ما يتعلق بالتقدم في السن.

هناك فرصة كبيرة للتمتع بهذه السنوات من العمر بصحة ونشاط والعيش بسلام بعيدا عن الأمراض، ويتوقف هذا كله على التخلي عن العادات السيئة وتغيير نمط الحياة

صحيح أن بعض الأمراض والعوارض الصحية تتفشى في هذه السن إلا أن العدو الحقيقي في هذه السن، بحسب متخصصين، يتعلق بقلة اللياقة البدنية، تناول الطعام غير الصحي، اضطراب النوم والاستسلام للضغوط النفسية. ويؤكد الدكتور كاري أهمية الالتزام بنظام غذائي صحي في المقام الأول والإكثار من الخضراوات وشرب كميات كافية من الماء، الابتعاد قدر الإمكان عن الحلويات، تناول المكملات الغذائية والفيتامينات حيث يتراجع إنتاج الجسد لبعض العناصر الضرورية ابتداء من سن الأربعين، لذا يتوجب تعويضها في صورة فيتامينات مثل فيتامين (د)، إضافة إلى الكالسيوم.

كما ينصح بالتوقف عن التدخين وتناول الكحول، فهما فضلا عن أضرارهما الصحية قد يعكسان ملامح التقدم في السن بصورة أوضح. وعلى الرغم من أن أمراض القلب هي المسبب الأكثر شيوعا للوفاة بعد التقدم في السن، إلا أن التخفيف من تبعاته أو “تأجيل” زيارته صار في الإمكان مع الالتزام ببعض العادات الصحية؛ الحميات الغذائية غير القاسية والتدرج في اتباعها لتصبح أسلوب حياة، الابتعاد عن التدخين وممارسة رياضة المشي في أقل تقدير، هذه العوامل وغيرها من العوامل النفسية وقوة الإرادة والتفاؤل بالحياة يمكنها أن “تؤجل” مرحلة أخيرة لا بد منها للتعامل مع أمراض التقدم في السن، وذلك بالاعتماد كليا على الأدوية.

لعل من أكثر التحديات التي يواجهها الأفراد في هذه السن تحديدا، هي كيفية الإقلاع عن التدخين مع الأخذ في الاعتبار بأن مرور عقود طويلة على تبني هذه العادة الضارة، قد يعرقل من الجهود الصادقة للتخلي عنها، ومع ذلك يورد متخصصون جملة من الفوائد الجمة التي تتبع ترك عادة التدخين، فيما لو نجحت المحاولة. هذه الفوائد قد تعمل كحافز مهم على اتخاذ القرار الصعب ومنها؛ تجدد الطاقة والحيوية الجسدية بصورة مدهشة خلال الشهور الأولى من الإقلاع عن التدخين، تتلاشى تقريبا مشكلة صعوبة التنفس، يقل مستوى التوتر، تستعيد البشرة بريقها مجددا خاصة بشرة الوجه ما يمنح المظهر الخارجي ملمحا أكثر شبابا وحيوية، والأهم من ذلك، بحسب دراسات معززة بإحصاءات دقيقة، أن غير المدخن سيعيش حياة أطول من غيره بسبب نجاته من بعض مسببات الموت المتعلقة بالتدخين كأمراض القلب وسرطان المريء.

كل الفئات العمرية لديها نصيبها من المهام التنموية؛ فالشباب يتطلعون إلى المستقبل البعيد والمسنون يلتفتون إلى الوراء

من جانبها، ترى الدكتورة ميندي جرينشتاين؛ طبيبة نفسية أميركية ومؤلفة كتاب “المنزل ذو الركن المحطم”، أن كل الفئات العمرية من الولادة وحتى الموت لديها نصيبها من المهام التنموية؛ فالشباب يتطلعون إلى المستقبل البعيد والمسنون يلتفتون إلى الوراء حيث الماضي. أما الأفراد في منتصف العمر فعيونهم معلّقة على الحاضر حيث يتوسطون بين الأجيال، يؤثرون فيهم ويتأثرون بهم وهم مصدر توليد لا ينضب للأفكار ومصدر إلهام للآخرين الأصغر سنا كما هم مصدر يعتمد عليه لرعاية ودعم كبار السن، ولذلك يلعب هؤلاء الأشخاص دورا حيويا ومهما في مجتمعاتهم، فيما يراهم البعض “حفظة المعنى” أو حراس المعنى لكل ما يتعلق بالقيم والأسس والقوانين التي تحكم العلاقات بين الناس.

ولهذا، يصبح من واجب هؤلاء الحفاظ على مستوى معين من النشاط والحيوية الجسدية والعاطفية، ليقوموا بدورهم المهم هذا على أكمل وجه. وخلال مرحلة منتصف العمر، يستمر الأشخاص في تعلم بعض الدروس من خلال تجربتهم في الحياة وأهمها، معرفة حدود سيطرتهم على أنفسهم وظروفهم ومدى تقبلهم للتغييرات التي تقتضيها هذه المرحلة وخاصة الأمراض والانتكاسات الصحية، في ما يتعلق بهم أو بأصدقائهم ومعارفهم في محيطهم الاجتماعي والذين يشتركون معهم في المرحلة العمرية ذاتها.

ومن ضمن مظاهر التقدم التدريجي في السن الذي يتعلق بهذه المرحلة، تباطؤ النشاط، تغير في شكل الجسم، اختلاف بعض الصفات والملامح، تغيير في طريقة التعاطي مع الشباب من صغار السن؛ حيث يميل بعض الشباب إلى عدم تقبل النصيحة من الأشخاص في هذه السن الذين قد لا تمتلك كلماتهم ونصائحهم تلك الجاذبية القديمة أو الأفكار التي تتواءم مع تطلعات الشباب وطريقة فهمهم للعالم. ومع ذلك، فقد تمثل هذه المرحلة أهم مراحل عمر الإنسان، فما يقدمه من دعم لأبنائه وما يمثله من قوة وأمان لوالديه من كبار السن، يعدان أمرا محوريا ودورا لا يمكن الاستغناء عنهما في سلسلة دورة الحياة الطويلة، وكل ما يتعلمه المرء في بداية هذه المرحلة يشكل حافزا وداعما يساعداه في تخطي العثرات التي قد تواجهه في مرحلة متأخرة من منتصف العمر، تلك التي تكون لصيقة جدا بالشيخوخة.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر