الاحد 20 اغسطس/اب 2017، العدد: 10728

الاحد 20 اغسطس/اب 2017، العدد: 10728

الأذكياء مدينون بنبوغهم لأمهاتهم لا لآبائهم

  • النساء الموهوبات والمبدعات يورثن جينات الذكاء لأطفالهن، وتساهم ملكاتهن الفكرية والعلمية في تطوير المجتمعات، وتنتقل معارفهن عبر الأجيال، ولكن جيناتهن ليست العامل الوحيد المحدد لذكاء البشر.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2017/01/10، العدد: 10508، ص(21)]

الذكاء إن لم يرثه الطفل يتعلمه

قوضت دراسة جديدة الاعتقاد السائد بأن الأذكياء يرثون قدراتهم العقلية القيمة من آبائهم، لتؤكد أن الفضل يعود إلى الأمهات، فهن يورثن جينات الذكاء إلى أبنائهن، ويجعلنهم من أصحاب العقول المبدعة.

وتؤكد الدراسة ضمنيا على أن النساء يمثلن المحرك الرئيسي للقدرات الإدراكية والمعرفية للأطفال التي ستحدد ملامح مستقبلهم، وهي بذلك تقدم رؤية فريدة حول تأثير المرأة في تطور المجتمعات، وفي انتقال ملكات المعارف والمهارات الإبداعية والمعرفية عبر الأجيال.

ورجح الباحثون من جامعة غلاسكو البريطانية أن النساء ينقلن جينات الذكاء لأطفالهن، نظرا لأنهن يحملن الكروموسوم المعروف باسم “إكس”، ولديهن نسختان منه، بينما لدى الرجال نسخة فقط، مشيرين إلى أن الجينات الخاصة بالوظائف المعرفية المتقدمة، التي تورث من الأب قد تُعطل تلقائيا، فيما تنشط الجينات المعروفة باسم “الجينات المهيأة” التي تأتي من الأم.

وهذه النتيجة يمكن أن تحث العلماء على إعادة النظر في أبحاث سابقة قللت من أهمية دور النساء الموهوبات والمبدعات في إكساب أطفالهن سمات الذكاء المؤهلة للنبوغ. إلا أن هذا لا يعني أن الوراثة هي العامل الوحيد المحدد لذكاء البشر، فالأطفال من وجهة نظر العلماء يرثون حوالي 40 أو 60 بالمئة فقط من الذكاء، أما الباقي فيكتسبونه من عدّة عوامل مختلفة، مثل مستوى تعليم الأم ودخل الأسرة ووزن الطفل عند ولادته، وحتى نوعية الطعام الذي يتناوله وهو لا يزال جنينا في رحم أمه.

60 بالمئة من قدرات الذكاء تنتقل من جينات الأم إلى الطفل

وهذا مؤشّر واضح على أن الذكاء ومهارات التفكير من الأمور التي يمكن اكتسابها أيضا وتطويرها، ومع ذلك تبقى الأم هي المسؤولة بدرجة أولى عن بناء الهيكل العقلي والنفسي للطفل، وهي التي تستطيع أن تجعل منه إما إنسانا ناجحا وإما شخصا فاشلا.

وقد تبين من خلال مجموعة من الأبحاث التي أجريت في هذا الصدد أن الأمهات يلعبن دورا مهما للغاية في الجزء غير الوراثي أيضا للذكاء، إذ توصلت نتائج دراسة حديثة إلى أن نوعية الأطعمة التي تتناولها الأم خلال الأشهر الثلاثة التي تسبق الولادة تؤثر في صحة طفلها ونموه وقدراته العقلية في ما بعد.

وأكد عالم النفس الأميركي دافيد بنتون، أن الأطعمة التي تتغذى عليها الحامل خلال الأشهر الثلاثة التي تسبق الولادة، تؤثر في نمو دماغ الطفل وفي قدرة ذاكرته على تخزين المعلومات وربما يتواصل هذا التأثير مدى الحياة.

وشدد على أهمية اعتماد الحامل على الحمية الغذائية المتوازنة والالتزام بذلك منذ سنوات العمر الأولى، مرجحا صحة مقولة “قل لي ماذا تأكل أمك أقل لك من أنت”.

وأوضح أن تناول الأمهات للأسماك خلال مرحلة الحمل له علاقة وثيقة بارتفاع معدل الذكاء عند الأطفال، مشيرا إلى أن النقص في مادة الحديد أو الايودين في الأغذية التي تتغذى عليها الحامل يمكن أن يضعف معدل ذكاء الطفل.

ومن جانبهم نوه باحثون برازيليون في دراسة طويلة الأمد أجريت على 3500 رضيع من كل المستويات الاجتماعية، إلى علاقة الرضاعة الطبيعية بمستوى الذكاء عند الطفل.

وتبين لهم أن الأطفال الذين رضعوا لفترة أطول قد سجلوا درجات أعلى في اختبارات مستوى الذكاء بعد سن البلوغ، كما كسب هؤلاء دخولا مرتفعة، وأكملوا دراستهم لمستويات أعلى.

الارتباط العاطفي المتين بين الأم والطفل يلعب دورا حاسما في نمو البعض من أجزاء الدماغ

وبالرغم من أن نتائج دراستهم غير حاسمة، فإنهم أكدوا على ضرورة إرضاع الطفل طبيعيا لمدة ستة أشهر كاملة، لأن اللبن يعد من المصادر الجيدة للأحماض الدهنية المشبعة طويلة السلسلة، وهي ضرورية لنمو المخ.

وقال كولين ميتشي رئيس لجنة التغذية الصحية للأطفال بالمملكة المتحدة “أجريت العديد من الدراسات حول العلاقة بين الرضاعة الطبيعية ومستوى الذكاء خلال السنوات الماضية، لكن شكوكا تحوم حول صدق نتائج الكثير من تلك الدراسات”.

وأضاف “رغم ذلك فإن هذه الدراسة بحثت في عوامل أخرى، بما فيها التفوق في الدراسة ومستوى الدخل عند سن الثلاثين، مما يجعلها، دراسة مهمة للغاية”، موضحا أن الرضاعة الطبيعية تعد عاملا من بين عوامل عديدة أخرى تسهم في تحديد مستوى ذكاء الطفل وأدائه في المستقبل.

ويعتقد الخبراء أن الرضاعة الطبيعية تقوي الرابطة العاطفية بين الأم وطفلها، وهذه الرابطة تمثل الوسيلة الطبيعية لتأمين بقاء الطفل على قيد الحياة، وتلبية حاجياته الغذائية، إلا أن تأثيرها يفوق الحاجات الجسدية. وبما أن مرحلة الطفولة المبكرة تمثل فترة البناء الحقيقي لشخصية الإنسان، فإن تواصل أمه معه منذ أيامه الأولى، ومن خلال عملية الرضاعة، يسهم في تحفيز عقله وتنمية مهاراته، واكتسابه المزيد من المعارف.

ووجد باحثون من جامعة واشنطن الأميركية أن الارتباط العاطفي المتين بين الأم والطفل يلعب دورا حاسما في نمو البعض من أجزاء الدماغ، بعد أن أجروا تحليلا حول الطريقة التي كانت ترتبط بها مجموعة من الأمهات بأطفالهن على امتداد سبع سنوات؛ فاكتشفوا أن الأطفال الذين تم دعمهم عاطفيا كان الحُصين (منطقة من الدماغ مرتبطة بالذاكرة والتعلم) لديهم أكبر بنسبة 10 بالمئة في سن الـ13 في المتوسط مقارنة بالأطفال الذين كانت أمهاتهم بعيدة عنهم.

إلا أن عالم النفس الأميركي آرت ماركمان أقر بأن البشر لا يولدون ولديهم القدرة على القيام بـأمور تتطلب ذكاء، بل ينمون هذه المهارة مع مرور الوقت، موضحا أن كل عناصر الذكاء موجودة في “صندوق أدوات عقلي”، وأنه باستطاعة المرء أن يصبح أذكى من خلال مراقبة المحيطين به وكيفية استخدامهم للمعرفة في حل المشكلات، وهذا قد يساعده على تطوير عادات أكثر ذكاء.

وهذه النتائج لا تنقص من قيمة الرابطة العاطفية بين الآباء والأبناء ودورها في صقل شخصية الأطفال، والحفاظ على صحتهم الجسدية والعقلية، التي قد لا ترتبط مباشرة بمستوى الذكاء لدى الآباء.

وما تجدر الإشارة إليه أنه حتى في الحالات التي يرث فيها الأطفال جينات الذكاء من أمهاتهم فإن تلك الجينات تنظمها حشود من الجزيئات تسمى علميا بـ”العناصر الجينية المتأثرة بالعوامل الخارجية”، والتي يمكن أن تنتقل إلى الأطفال عبر السائل المنوي لآبائهم.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر