الاثنين 21 اغسطس/اب 2017، العدد: 10729

الاثنين 21 اغسطس/اب 2017، العدد: 10729

الذئاب المنفردة.. انحناء الإرهاب أمام العاصفة

  • العمليات الإرهابية الأخيرة وما شهدته من تغييرات في أساليب التنفيذ وفي الموارد البشرية المعتمدة تشي بوجود نزوع لدى التنظيمات التكفيرية نحو ما سمي بـ"تحرير المبادرة" وإطلاق أيدي الذئاب المنفردة في التنفيذ، أولا لعامل المباغتة وقلة “كلفة” العمليات المنفذة من مجموعات صغيرة متحررة من الروابط التنظيمية التقليدية، وثانيا للتخلص من الحصار الذي أطبق على تنظيم داعش في العراق وسوريا.

العرب هوازن خداج [نُشر في 2017/03/13، العدد: 10570، ص(13)]

عملية نيس نموذج لإرهاب الذئاب المنفردة

مسميات مختلفة اتخذتها الجماعات الجهادية المتطرفة وفقا لرؤية قياداتها وتجاربها وقدرتها على التنظيم، ولكنها تشاركت في سعيها الحثيث لإقامة دولة الإسلام حسب رؤيتها، واتفقت على مواجهة ما يسمى الجاهلية المعاصرة والخروج عن الإسلام، فاختلاف الرؤية السياسية لهذه الجماعات حول الإسلام المرتجى وطرق مواجهة "الجاهلية المعاصرة" والذي برز في المنافسات الحادة فيما بينها وزيادة عنفها تجاه المجتمع والآخر، اعتبره البعض عرقلة لمشروعها السياسي، لكنه شكّل عاملا هاما في استمرارها بأشكال جديدة وبضمانها لقواعد اجتماعية متعاطفة تكسبها ديمومتها وتؤمن بفكرها ويمكنها العمل بشكل منفرد أو ذاتي في أي مكان من العالم، وهو ما يندرج ضمن تسمية “الذئاب المنفردة”.

حوادث كثيرة واعتداءات متعددة تمت نسبتها للذئاب المنفردة التي تشير إلى أن الإرهاب لم يعد قاصراً على الجماعات المركزية العنقودية وعلى اعتماد التراتبية التنظيمية، بل تحوّل إلى أعمال تطوعية ذاتية قادرة على تجاوز الأفكار الكلاسيكية واكتشاف طرق جديدة لتنفيذ عملياتهم ضمن إمكانياتهم المحدودة والفردية، لتصنّف الأخطر بالنسبة إلى أجهزة الأمن والاستخبارات الغربية المتفوقة وتكمن كارثية هذه الظاهرة في:

الإرهاب لم يعد مقتصرا على الجماعات المركزية العنقودية ذات التراتبية التنظيمية، بل تحول إلى أعمال تطوعية ذاتية

1 - صعوبة كشف منفذيها أو آلية تسييرهم، واختلاف ‏الأهداف وطريقة التنفيذ والأسلحة المستخدمة، فأغلب المنفذين لا يثيرون الشك في سلوكهم وحركتهم اليومية، ولا يعتمدون مظاهر التديّن كالتردد على المساجد وإطلاق اللحى أو غيرها من ممارسات تشكل هدفا للمتابعة الأمنية، ولا علاقة مباشرة لهم بتنظيم جهادي، وليس لديهم أيّ سوابق، ويقومون بتنفيذ العمليات دون مساعدة من الآخرين على الأقل من ناحية التمويل فمعظم العمليات الإرهابية تعتمد التمويل الذاتي المحدود والاستعانة بالمواد التي تدخل في صناعة المتفجرات والتي يمكن الحصول عليها في الأسواق دون جلب الانتباه والمراقبة، أو استخدام أيّ سلاح فردي متوفر حتى لو كان فأسا، سيفا، أو ساطورا كما في الاعتداء الذي نفذه الشاب المصري عبدالله الحماحمي أمام متحف اللوفر الشهر الماضي.

2 - التجنيد الأيديولوجي وغسل الأدمغة عن بعد، إذ سهلت وسائل الاتصال والتكنولوجيا وتطور تشفير الاتصالات تطويع الأشخاص وترتيب المخططات وتطبيقها على أرض الواقع دون لفت الأنظار. وقد استفادت التنظيمات الإرهابية، خصوصا تنظيم داعش، التي أجادت فن الاستقطاب والترويج والإقناع، من هذا التطور التقني في بناء مجتمعات على الإنترنت تعزز الشعور بالتطرف وتبث الكراهية للآخر “الكافر”، وتستطيع من خلالها تجنيد الأفراد والتنسيق لهجمات دون أن يلتقوا بمنفذيها، فهناك 4 هجمات نُفذت في أوروبا تبناها تنظيم داعش اثنان منها في ‏ألمانيا واثنان في فرنسا من بينهما الهجوم على قطار فورتسبورغ، إذ نشر التنظيم فيديو يظهر فيه منفذ الهجوم، ما يدل على عِلم التنظيم المسبق بشأنه، أو الهجوم على الكنيسة في مدينة روان شمال فرنسا وذبح الكاهن وتصوير الإرهابيين للعملية على أجهزتهم النقالة وتنزيلها بشكل فوري على موقع أعماق الالكتروني.

3 - عدم اقتصار الدوافع على العامل الديني إنما توجد دوافع اجتماعية أو سياسية أو نفسية أو مرضية، وقد ضاعف تعدّد الدوافع لهؤلاء المجهولين من شدة القلق من هذه الظاهرة إلى حدّ وصفها بالكابوس الجديد حسب صحيفة واشنطن بوست.

هذه النقاط وغيرها تجعل من الذئاب المنفردة بمثابة جنود الخفاء الذين لا يمكن مكافحتهم بحروب تقليدية، أو الحدّ منهم أو السيطرة عليهم بإغلاق بعض المساجد التي تحضّ في خطاباتها على الكراهية للآخر، كما حدث مؤخرا في فرنسا، أو بالفرض على المتاجر التي تبيع لحوما “حلال” ببيع مواد أخرى كالخمرة مثلاً نفياً لصفة التشدّد الإسلامي فيها، إنما بقيام مراجعات فكرية واجتماعية وثقافية وإنسانية على مستوى العالم ككل، وتوحيد الجهود الدولية لمقاومة التعصب والعمل من خلال مؤسسات الدول كافة على الانفتاح الإيجابي الخلاق على الآخر، فما يسهل انقياد هؤلاء “الذئاب” هو الجهل بالدين وبالآخر، وهم ليسوا أكثر من ضحايا لأيديولوجية فكرية تضع العالم في دائرة استهدافاتها وتسعى إلى تحطيم إنسانيتهم وتحويلهم إلى جنود قتلة باسم الدين.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر