الجمعة 28 يوليو/تموز 2017، العدد: 10705

الجمعة 28 يوليو/تموز 2017، العدد: 10705

أبوقتادة والبغدادي.. خلاف داخل فقه الدماء

  • برز اسم أبي قتادة الفلسطيني كواحد من المشايخ المرتبطين بالتيارات الجهادية في العالم لدى استقراره في العاصمة البريطانية في بداية التسعينات من القرن الماضي، في توقيت مزامن للمواجهات التي كانت قائمة بين مقاتلي الجماعة المسلحة والنظام في الجزائر، بعد الانقلاب على نتائج الانتخابات البلدية لعام 1991. فقد أصبح هناك أحد المنظرين البارزين للجهاديين الجزائريين، ومن هناك انطلقت رحلته مع الجماعات الجهادية في العالم.

العرب إدريس الكنبوري [نُشر في 2017/04/12، العدد: 10600، ص(13)]

خلاف لا يبارح دائرة التشدد

صاغ أبوقتادة نظرية فقهية متكاملة للتيار الجهادي الجزائري، شكلت في ما بعد أرضية لمختلف الجماعات الجهادية خارج الجزائر، فصارت كتاباته مراجع يستقي منها الجهاديون مواقفهم وأفكارهم. فقد خاض في قضايا عقدية وفقهية تتعلق بأمور الجهاد أصبحت أدبيات رائجة في أوساط الجهاديين، مثل الكفر والإيمان والحكم والإمامة والردة والقتال وسواها.

وقد ظهر الخلاف بين أمراء تنظيم داعش وبين أبي قتادة عقب الخلاف بين تنظيم القاعدة وداعش، حيث جاء موقف أبي قتادة في صيغة كتاب تحت عنوان “ثياب الخليفة”، الذي كان بمثابة معول أراده صاحبه لإسقاط مشروع دولة داعش من أساسه. ويفهم من العنوان أن هناك تعريضا صريحا بزعيم الدولة الجديدة أبي بكر البغدادي، الذي لا يرى فيه أبوقتادة أكثر من رجل جاهل لا يفقه شيئا في الدين، يحاول أن يلبس ثوبا تنكّريا، هو ثوب الخليفة، بينما هو في الواقع شخص عار وعورته ظاهرة للعيان، كما يقول المثل العربي “القرد قرد ولو لبس الحرير”، حسب أبي قتادة.

أبوقتادة لم يعلن أي مراجعة لأفكاره السابقة التي سطرها في مؤلفاته، والتي صار أتباع تنظيم داعش يعتمدون عليها اعتمادا قويا، وكل ما في الأمر أنه جهادي يناصر تنظيم الظواهري على تنظيم البغدادي

أسس أبوقتادة موقفه الرافض لدولة الخلافة على عدة مبررات. أولها أن إعلان الخلافة أمر إرادي لا ينبغي أن يفرض بالقوة، ولا أن يتم اتخاذه بمعزل عمن يسميهم “أهل الشورى” أو أهل الحل والعقد. ويقول أبوقتادة إن سيطرة جماعة داعش على أجزاء من العراق وسوريا واغترارها بذلك ليست شيئا جديدا في سجل الجماعات الجهادية، فقد حصل ذلك للملا عمر في أفغانستان ولجماعات الجهاد في الصومال واليمن ومالي “ولكن هؤلاء لم يغتروا ولم يتجرأوا على إعلان الخلافة من المواقع التي سيطروا عليها”.

والمبرر الثاني تهديدها للمخالفين الذين لم يبايعوا بالقتل. والثالث إلغاؤها لجميع الجماعات الأخرى لعلة الخلافة. والرابع تكفير المخالف على “دين الخوارج”. والخامس أن زعماءها أهل غلو وبدعة “وفيهم جهل عظيم، حيث لا علماء ولا فقهاء يقدرون سوق هذا الأمر العظيم الذي ادعوه، الخلافة العظمى”. والسادس أنهم رغم قتالهم للزنادقة “وهذا أمر محمود”، وأبوقتادة يعني بالزنادقة هنا الشيعة، إلا أن الإمامة العظمى التي أعلنوها فاسدة شرعيا وعلميا. وأخيرا يصدر أبوقتادة حكمه على جماعة داعش بأنها جماعة بدعية وتكفيرية وجاهلة.

وعندما انتشر خبر عن خطيب تابع لتنظيم الدولة صرح في خطبته بأنه لو حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم يومنا ودخل إلى المناطق التي يسيطر عليها التنظيم لصار من أتباع الدولة، كفّر أبوقتادة تنظيم الدولة وقال “والنظر الصحيح لهذا القول ليس فقط إطلاق الحكم الشرعي فيه مع أنه قول كفري صريح يستتاب قائله، ولو أجرينا طريقة هؤلاء الغلاة في الأحكام لقلنا بردّة جماعة البغدادي كلها وأنها طائفة كفر وردّة على طريقتهم في تكفير خصومهم، فمن المعلوم أنهم كَفَّروا جبهة النصرة بهذه اللوازم والمقتضيات الباطلة ولكن ديننا يأبى إلا الحق بوجوب استتابة هذا الرجل من مقالته الخبيثة هذه في حق المصطفى صلى الله عليه وسلم”.

وخلال العام 2014، في بدايات الخلاف بين تنظيمي الدولة والقاعدة، وجه أبوقتادة رسالة إلى أتباع جبهة النصرة، يكشف فيها أنه طلب من أيمن الظواهري تعيين شخص على دراية بالعلم الشرعي وفقه السياسة لتأطير الجهاديين في الشام. ونبّه في الرسالة إلى ضرورة اكتشاف الأخطاء ومظاهر الغلو في المهد قبل تفاقمها، حيث قال “إن من المهم اكتشاف الأخطاء في مهدها، وخاصة شبهات الغلو، فإن حمَلة السلاح هم البيئة الخصبة لهذا الشر، والجهاد عندكم قد نفّر إليه الناس، منهم المتحمس بلا علم، ومنهم الشاب الغر، ومنهم من له سابقة علم فيها دخن، ومنهم ومنهم، فهي بيئة تحتاج إلى رعاية خاصة من قبلكم خاصة دون بقية الناس، فحيث رأيتم الخطأ نبّهوا عليه وأقيموا له قوارع الحق حتى يموت، ولا تترددوا أبدا في عزل وكشف أصحاب الأهواء مهما بلغ شأنهم أو كانت لهم مقامات وأسماء وألقاب، فأنتم بعلمكم فوق الجميع، والأمانة في أعناقكم دون بقية الناس”.

أبوقتادة يقول إن سيطرة جماعة داعش على أجزاء من العراق وسوريا واغترارها بذلك ليست شيئا جديدا في سجل الجماعات الجهادية، فقد حصل ذلك للملا عمر في أفغانستان

وبعد عامين من تأليف كتابه “مقاربة لنازلة العصر”، الذي كان طابعها التفاؤل في ما يتعلق بالجبهة السورية، كتب رسالة عام 2014 تحت عنوان “ما بعد المقاربة”، عقب الإعلان عن دولة البغدادي.

وقد انتقد أبوقتادة مبادرة هذا الأخيرة ووصف الدولة بـ”الدولة الجاهلية”، معتبرا أن مفهوم الدولة ليس مفهوما إسلاميا شرعيا، وأن المفهوم الشرعي هو “الدار”. وأشار إلى أن تجربة الدولة الإسلامية في العراق “تجربة أخفقت في الحفاظ على مكتسباتها الكلية، ومن الواجب إعادة النظر في هذه الرحلة لا الذهاب بها على الوجه الذي قرأه الناس لهم بقولهم “إن الدولة الإسلامية في العراق والشام باقية ما دام فينا عرق ينبض أو عين تطرف ولن نساوم عليها أو نتنازل حتى يظهرها الله أو نهلك دونها”؛ وكشف أن الوسيلة، وهي الدولة هنا، تحولت إلى عقيدة.

وهاجم البغدادي واصفا إياه بـ”الجاهل الأحمق”، إذ قال “ولا يستمع لجاهل أحمق يأزه (يزهو) ليعلن نفسه إمارة إسلامية ممكنة لها حق البيعة في رقبة كل أحد من المسلمين، فمثل هذه اللوثات عانينا منها الكثير من قبل ورفعها من هم على الشاكلة ممن تعميهم الأسماء والشعارات عن الواقع″، وأبدى تشاؤمه من الوضع في سوريا، خلافا لكتابه السابق، حيث قال “وجهاد أهل الشام سيرقى غدا إلى محطات خطيرة، وقد بدأت نُذر هذا جليا”.

ورغم أن أبا قتادة ناصب تنظيم الدولة العداء وبادله الخصومة، إلا أن الخلاف بين الطرفين هو خلاف داخل الدائرة الجهادية نفسها لا خارجها. أبوقتادة لم يعلن أي مراجعة لأفكاره السابقة التي سطرها في مؤلفاته، والتي صار أتباع تنظيم داعش يعتمدون عليها اعتمادا قويا، وكل ما في الأمر أنه جهادي يناصر تنظيم الظواهري على تنظيم البغدادي، وينتصر للأول على الثاني من دون أن يغادر فقه الدماء.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر