الثلاثاء 25 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10613

الثلاثاء 25 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10613

'الصادعون بالحق'.. مبتكر تكفيري لعودة الإخوان إلى المشهد

  • أيام قليلة قبل تفجير الكنيستين المصريتين في طنطا والإسكندرية، ظهرت جماعة تكفيرية جديدة اختارت لها من الأسماء “الصادعون بالحق”. لكن غياب الصلة بين العملية الإرهابية الأخيرة والجماعة الجديدة، لا يعفي من ضرورة البحث في إعلان ظهورها في هذا التوقيت الموسوم بأزمة خانقة تعيشها الجماعة الأم، فضلا عن المنطلقات الفكرية التي تتبناها الجماعة، وهي منطلقات متشددة تخوض مصر صراعا مريرا من أجل تطويقها.

العرب هشام النجار [نُشر في 2017/04/12، العدد: 10600، ص(13)]

مضاف جديد إلى سجل التكفير في المنطقة

ربط البعض من المراقبين بين ظهور جماعة تكفيرية جديدة تسمّى “الصادعون بالحق” في مصر أخيرا وبين أزمة جماعة الإخوان المسلمين المستفحلة حاليا، وقالوا إن الدفع بها يمكن اعتباره بوابة لعودة الجماعات المعزولة إلى المشهد من خلال كيان آخر ومسمّى جديد.

وتحاول جماعة الإخوان حاليا لملمة صفوفها الممزّقة جراء الضربات القاسية التي تعرضت لها على أيدي النظام المصري، وتسعى لبدء مرحلة التأسيس الثالث بعد التأسيس الأول على يد حسن البنا، والثاني في عهد مرشدها الأسبق عمر التلمساني أثناء حكم الرئيس المصري الراحل أنور السادات، خاصة في ظل الرفض الشعبي والمجتمعي الذي تواجهه.

تحاول الجماعة الجديدة “الصادعون بالحق” الاستفادة من حالة الفراغ في ساحة التنظيمات الدينية بمصر، وأعلنت عن نفسها عبر بيان تلاه أميرها المصري مصطفى كامل محمد بحضور عدد من القيادات المنتمين إلى جنسيات مختلفة، وزعمت أنها ظلت تعمل في السر وتراقب الأوضاع طوال أربعين عاما منذ عام 1974، وحان أوان ظهورها “لنشر مبادئها وإنقاذ المجتمع والعالم وأنها تحمل رؤية عالمية انطلاقا من مركزها في مصر ونشاطها يتركز في ليبيا والصومال والكويت”.

الجماعة تكفر بالديمقراطية والحزبية والمجالس النيابية، ولذلك ترفض التعاطي مع الأنشطة السياسية

فقرتان في بيان الجماعة كانتا كافيتين للدلالة على منهجها التكفيري، حيث قال البيان إنهم قد “آلمهم ما يرونه ويسمعونه في أنحاء العالم وما آلت إليه أحوال المسلمين”، وطالب الأمة بأن تعود، و”تُعلن إسلامها من جديد كما أعلنت إسلامها يوم بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم”.

وجاء في بيانها، الذي بثته عبر فيديو مصور على يوتيوب “نحن جماعة من المسلمين ندعو الناس إلى رسالة التوحيد التي جاء بها الأنبياء جميعا عليهم السلام وإمامهم محمد صلى الله عليه وسلم، وهي ‘اعبدوا الله ما لكم من إله غيره’، وهذه الدعوة تُحرر الإنسان من الخضوع لغير الله رب العالمين، فتتحقق للإنسان كرامته ورفعته”.

إشارات البيان أظهرت أن هذه الجماعة تعتنق الفكر التكفيري المتمثل في مبدأ الحاكمية، الذي تميز به التيار القطبي داخل الإخوان، حيث قالت إن “أكبر خطأ ترتكبه الأمة يتمثل في إقصاء شرع الله واتباع الطواغيت التي تضع التشريعات”.

التكفير منهجا

خبراء في شؤون الحركات الإسلامية أكدوا لـ”العرب”، أن هذه الجماعة يظهر من إعلانها التأسيسي فكرها القطبي التكفيري، الذي يحكم بجاهلية وكفر المجتمعات، ولذلك فهي تقدم نفسها كمخلص وقائد لمن تظنهم “تائهين” للعودة إلى الإسلام من جديد.

وأوضح الخبير في شؤون الحركات الإسلامية كمال حبيب لـ”العرب”، أن التيار القطبي الذي انشق عن جماعة الإخوان في الستينات من القرن الماضي هو الذي يؤمن بالمرحلة المكيّة التي يكف الناس فيها أيديهم عن القتال معتمدين على سرية الحركة والصبر ثم ينتقلون بعدها إلى مرحلة جديدة شبيهة بمرحلة المدينة المنورة يجاهرون فيها بالدعوة، وهو ملخص فكر تلك المجموعة التي تزعم أنه قد آن أوان ظهورها وصدعها بالحق.

الجماعة الجديدة تكفر بالديمقراطية والحزبية والمجالس النيابية، وترى أن القرآن والسنة هما مصدر السلطات وليس الأمة أو الشعب، ولذلك ترفض التعاطي مع الأنشطة السياسية.

جذور جماعة “الصادعون بالحق” تعود إلى منتصف الستينات من القرن الماضي، عندما شهدت جماعة الإخوان انشقاقا ضخما أدى إلى تأثر الكثيرين بأفكار سيد قطب المرتكزة على أدبيات “الجاهلية” و”الحاكمية” و”العزلة الشعورية” و”الطليعة المؤمنة”، وجرت بين المنشقين وقادة الجماعة مناقشات أثناء السجن بعد إصدار رسالة “دعاة لا قضاة” التي أرادت بها الجماعة مواجهة ما رأت فيه خروجا فكريا على منهج الإخوان كما وضعه حسن البنا.

اختلاف التسميات والنهل من نفس المعين

وانتهت المناقشات بعودة بعضهم إلى التيار الأساسي للإخوان فيما أصر كثيرون على أفكارهم وخرجوا من الجماعة وكوّنوا ما صار يعرف بالتيار القطبي الذي من أبرز رموزه، أحمد عبدالمجيد عبدالسميع، الذي صدر ضده حكم بالإعدام مع سيد قطب لكنه لم ينفذ، وكذلك عبدالمجيد الشاذلي، صاحب الكتاب الشهير “حد الإيمان وحقيقة الإسلام” الذي يمثل منهج عمل التيار القطبي.

متابعون لتطور نشاط الإخوان أكدوا لـ”العرب”، أن الجماعة التكفيرية الجديدة محاولة للهروب من الانقسامات والصراعات داخل تنظيم الإخوان، وتقديم جسم منفصل يمتلك أيضا الحضور في الخارج وقادر على لملمة الأعضاء بمعزل عن تلك الانقسامات وتداعياتها، بعد أن ثبت عجز قيادات الجماعة ومراجعها الفكرية في رأب تصدعاتها.

ورأى خبراء أمنيون أن جماعة الإخوان قادرة على التحول لحماية التنظيم في مراحل الأزمات الكبرى، ومن الصعب استسلامها للهزيمة نظرا لتمتعها بالشعور بالتضخم الكبير في الذات، خاصةَ بعد أن تكرّست جماعتهم كأقوى تنظيم معارض طوال عقود، وقد اعتبروا أنفسهم مع بدايات الألفية الثانية مكوّنا رئيسا في الحياة الاجتماعية والسياسية المصرية، وها هي الجماعة تواجه محاولات العصف بها وإنهاء وجودها من الساحة بشتى الطرق.

وأشار مختصون في الشأن الإسلامي إلى أن الجماعات المعزولة اجتماعيا وسياسيا في الوقت الحالي ستحرص على العودة إلى شغل المساحات المجتمعية التي كانت تشغلها في السابق ولا تزال بعيدة عن سيطرة الدولة، وستعتمد في التعبئة والتجنيد على شباب الجامعة الذين يمثلون العامل الأهم في إعادة بناء التنظيمات في مراحل ترهلها، وستعمل على الانتشار بين البسطاء في القرى والمدن لضخ دماء جديدة بهدف بناء أيديولوجية التكفير والعنف مع تأجيل البدء في تنفيذها إلى مراحل قادمة.

منهل مشترك

ألمح هاني رسلان الخبير في الشؤون الأفريقية إلى أنه على الرغم من أن تسميات تلك الجماعات تختلف، إلا أنها تنهل من نفس النبع ومن الفكرة المركزية لدى الإخوان التي أسسها حسن البنا ثم بلورها سيد قطب، والتي تتمحور حول مفهوم ما يسمى بـ”الطهورية”، وكون المجتمع لا يتبع الدين الصحيح ويتطور هذا إلى العزلة الشعورية والمجتمعية، ومن ثم تتلبسهم فكرة الوصاية على من عداهم.

وأوضح في تصريح لـ”العرب”، أن ظهور ما يسمّى بالصادعين بالحق، هو أحد انعكاسات حالة الخلط في المفاهيم التي أشاعتها تنظيمات الإسلام السياسي وعلى رأسها جماعة الإخوان في المجتمع، وشدد على ضرورة المواجهة الأمنية لاجتثاث بذرة تلك الجماعات الخبيثة التي لا تنتج إلا شرا، مشيرا إلى أن المعالجات الأخرى تأتي لاحقا بعد الأمن.

فكرة “التنظيم” لا تزال تشكل رهان الإسلاميين الأول، لذلك فهم لا يجنحون لتطوير حضورهم ضمن صيغة معاصرة

وحول دلالة تمسك التيار الإسلامي بالحالة التنظيمية التقليدية، وعدم حرصه على تطوير نفسه ليصبح مقبولا في المشهد السياسي، أكد رموز في العمل الحزبي أن التجربة الحزبية لا تناسب الإسلاميين على خلفية ميراث عدم الثقة في النظام السياسي القائم، حيث أنهم يوقنون بأن المواجهة معه محتملة في أي وقت، لذلك ينظرون للبناء التنظيمي كملاذ دائم لهم.

فكرة “التنظيم” لا تزال تشكل رهان الإسلاميين الأول، لذلك فهم لا يجنحون لتطوير حضورهم ضمن صيغة معاصرة، وحتى الجماعات التي تمتلك ما يُطلق عليه “الأذرع السياسية” والأحزاب تحرص على أن تكون أدبيات ومناهج الجماعة طاغية وحاضرة، لأنهم يرون في الجماعة مخزونا للحماية خارج سيطرة الدولة في مراحل الصدامات التي يعتبرونها حتمية وواقعة لا محالة.

ورأى البعض من المحللين أن دوافع هذا التيار نحو التقوقع والانعزالية التنظيمية، يعود إلى الوضع السياسي نفسه، والذي ينطوي على عوامل طاردة للتجربة الحزبية الإسلامية، خاصة بعد فشلها وعدم مقدرتها على التعايش مع مناخ التعددية والتنوع. وأكد هؤلاء أن أي محاولة من الإخوان وحلفائهم للاندماج في المشهد السياسي محكوم عليها بالفشل، وهذا وحده دافع للإبقاء على فكرة الجماعة والتنظيم بصيغ ومسميات جديدة، فدفء الجماعة بالرغم من مشكلاتها خير من برد الأنواء السياسية وعواصفها.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر