الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

داعش والجهادية الجزائرية.. هذا الغلو من تلك البداية

  • مقارنة الحالة الجهادية الجزائرية في حقبة التسعينات من القرن الماضي بالخصوصيات التي وفرها تنظيم داعش، مفيدة من كونها تتيح تتبع التطورات السياسية والحركية التي شابت مسار العقل الجهادي، ومن ثم الخروج بملاحظات تخص البنى العميقة التي حكمت وأدت إلى ظهور التجربتين.

العرب  [نُشر في 2017/04/14، العدد: 10602، ص(13)]

الصورة المعاصرة المكثفة لكل تيارات الإسلام السياسي

هناك عدة فوارق مفصلية بين التجربتين الجهادية الجزائرية والداعشية، سواء تعلق الأمر بالتباين الكبير في ثقل السياق الإقليمي والدولي المُصاحب لأداء المشروعين، أو بدور الثورة الرقمية في خدمة المشروع الداعشي مقارنة مع المشروع الجهادي الجزائري، وغيرها من الفوارق، وبيان ذلك كالتالي:

يتعلق الفارق الجوهري الأول بالسياق العالمي والحديث عن منعطف اعتداءات 11 سبتمبر 2001، لأنه إذا كانت مواقف الدول الغربية والإسلامية من المسألة الدينية بشكل عام ستشهد فورة في التطورات والمستجدات، فستكون مواقف هذه الدول من الظاهرة الإسلامية “الجهادية” أولى، وشتان ما بين ظهور الحالة “الجهادية” في الجزائر في حقبة ما قبل هذه الاعتداءات التي ستكون لها تداعيات عالمية وإسلامية وعربية وبين ظهور الحالة “الداعشية” في حقبة ما بعد هذه الاعتداءات التي جسدت ذروة ما صدر عن ظاهرة تنظيم القاعدة، باعتبار أن هذا التنظيم كان في مقام زمني وسط بين “الجهادية” الجزائرية و”الجهادية الداعشية”.

لم يتم الانتباه إلى أن التيار السلفي الصاعد في المنطقة، خصوصاً في شمال أفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا الغربية تفاعل بشكل ذكي مع تبعات اعتداءات نيويورك وواشنطن

يتعلق الفارق الثاني بالسياق الإقليمي، وتحديدا، بتبعات حقبة ما قبل وما بعد أحداث الحراك العربي، ومعلوم أن هذه الأحداث أفرزت العديد من المستجدات السياسية والدينية والمجتمعية، بل المستجدات المعرفية المرتبطة بإعادة النظر في عدة مفاهيم، وضمن هذه المستجدات، صعود بعض حركات وأحزاب الإسلام السياسي وإمساكها بالسلطة الزمنية الحاكمة أو مشاركتها في تدبير السلطة؛ مقابل صعود للحركات الإسلامية الجهادية، في عدة بلدان عربية وأفريقية (سوريا، العراق، اليمن، ليبيا، مالي) وفي مقدمتها الظاهرة الداعشية.

إذا كانت الحركات الإسلامية “الجهادية” في المنطقة العربية ذات انتشار إقليمي أو محلي محدود، وغالبا ما تنخرط في صراعات مع دول وحكومات في المنطقة على ما جرى مع الحالة الجزائرية، فإن الأمر كان مختلفا مع الحالة “الداعشية”، والتي لم يقتصر تفاعلها على الصعيدين السوري والعراقي وإنما امتد إلى مرتبة استقطاب فاعلين “جهاديين” من شتى ربوع العالم، الإسلامي والغربي، في سابقة لم نشهد لها مثيلا في مجالنا التداولي الإسلامي، إلى درجة أن الفاعلين “الجهاديين” قدموا حتى من أستراليا.

هذا التميز التنظيمي الذي طال الظاهرة “الداعشية” من خلال استقطاب مرشحين “جهاديين” من شتى بقاع العالم، لم نُعاين نظيرا له مع الحالة “الجهادية” الجزائرية، التي اقتصرت بشكل كبير على فاعلين “جهاديين” من الداخل الجزائري بالدرجة الأولى، وبالتالي بقي أداء الحالة في المجال الجزائري، وبالكاد انتقل بشكل عابر، وعبر محطات عابرة، للمحيط الفرنسي وبدرجة أقل للمحيط المغربي مع واقعة وحيدة فقط.

كانت أحداث 11 سبتمبر 2001 فرصة تاريخية أمام العقل الإسلامي الجمعي (الرسمي والشعبي)، للحسم في طبيعة مشاريع الإصلاح التي يجب أن ينخرط فيها المسلمون عامة وخاصة، ولكن سيادة وغَلَبة الحسابات السياسية والأمنية والإستراتيجية حالت دون فتح حقيقي ونوعي لأبواب إصلاح تاريخي، يشمل الجوانب السياسية والدينية والاقتصادية خصوصا، وكان علينا انتظار أحداث الحراك في المنطقة لكي تخرج للعلن لائحة من المشاريع “الجهادية” أكثر تطرفا من الظواهر “الجهادية” السابقة، إلى درجة أن العديد من المتتبعين العرب والغربيين أصبحوا يتعاملون مع اعتداءات تنظيم “القاعدة” (مع استثناء لواقعة 11 سبتمبر) على أساس أنها أقل عنفا مقارنة مع ما يصدر عن داعش.

إذا كانت الحركات الإسلامية “الجهادية” في المنطقة العربية ذات انتشار إقليمي أو محلي محدود فإن الأمر كان مختلفا مع الحالة "الداعشية"

لم يتم الانتباه إلى أن التيار السلفي الصاعد في المنطقة، خصوصاً في شمال أفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا الغربية تفاعل بشكل ذكي مع تبعات اعتداءات نيويورك وواشنطن. بزغ نجم السلفية الجهادية، ومن باب تحصيل حاصل السلفية العلمية، ولكن حملة الاعتقالات التي سوف تطال العديد من السلفيين الجهاديين من المحسوبين، بشكل أو بآخر على المشروع السلفي الجهادي، سوف تقف وراء لجوء التيار السلفي إلى ما يُشبه حالة كمون، من باب درء فتنة المتابعات الأمنية، لولا أنه مع منعطف أحداث الحراك في المنطقة العربية، سوف نشهد فورة في صعود أسهم التيار السلفي في المنطقة، سواء كان محسوبا على التيار التقليدي أو الحركي الجهادي.

يبدو أن أزمة العقل الإسلامي الجهادي من أزمة العقل الإسلامي الحركي بشكل عام، لأن الدعوة الجامعة لكل تيارات الإسلام السياسي لا تتجاوز ما يُعلنه تنظيم داعش على رؤوس الأشهاد، ومن قبله تنظيم الإخوان المسلمين، بسعيهما لاستهداف إعادة نمط دولة الخلافة التي مازالت العديد من الحركات السياسية تدعو لها بشكل علني، بل الاشتغال عليها في الكواليس، ولعل خطاب “الداعشية” هو أوضح كاشف لغيبوبته العقلية؛ المتوغلة في غابات المجهولية، إذ أن هذا الخطاب لا يخجل من إعلان قناعاته المزيفة بالفهم الخاص المتراكم حول أفكار السلف الصالح، حيث جاءت الداعشية لتكون الصورة المعاصرة للتعبير عما وصلت إليه أمور الدعوة المزيفة.

إذا سلمنا بأن الظاهرة الإسلامية الجهادية تجسّد صدمة أو مفاجأة، فإن العديد من المشاريع الإسلامية الحركية وجدت نفسها عاجزة عن نقد التيار، وارتأت إما ترويج خطاب المؤامرة أو خطاب المُحدد السياسي الذي يقف وراء صعود الظاهرة، وغيرها من القراءات البعيدة عن بيت القصيد الجهادي بشكل عام وبيت القصيد الداعشي بشكل أخص، ومرد ذلك، التحايل أو الصمت عن الإحراج الذي يُجسده المشروع الجهادي لهذه المشاريع، وخاصة الإحراج العقدي والفقهي والمذهبي.

ومرد ذلك أن الذي يُقزم من الإصلاح الأخلاقي، لأن مدونته العقائدية تقزم الهاجس الأخلاقي، يصعب عليه الانخراط النظري والعَمَلي في نقد الظاهرة، بل أن يتحدث عن إصلاح الوطن والإنسانية، والملاحظ أن هذه الجزئية لا تهم فقط أغلب الحركات الإسلامية في الساحة العربية والإسلامية، وإنما تهم أغلب المؤسسات الدينية، التي تتحمل مسؤولية في تصاعد أسهم المشاريع الجهادية.

خلاصة بحث منتصر حمادة “الحالة الجهادية في الجزائر وظاهرة داعش”، ضمن الكتاب 123 (مارس 2017) “داعش وأخواته: الفكر- التفكير- النصوص” الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث- دبي.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر