الاثنين 23 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10790

الاثنين 23 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10790

المنبتون.. حيرة الإسلاميين بين الديمقراطية والشورى

  • المؤتمر الذي عقده حزب التحرير في تونس مؤخرا والذي كان شعاره المركزي “الخلافة محررة البشرية من اضطهاد الديمقراطية”، لم تكن مفاعيله تنسحب فقط على تونس لناحية العلاقة بين الحزب والدولة، بل كان يؤشر أيضا على رؤية التيارات الإسلامية للديمقراطية، وهي نظرة تشوبها التباسات كثيرة تبدأ من مقارعة الديمقراطية بالشورى، وتنتهي بعدم الاعتراف بالمفاهيم السياسية الحديثة.

العرب إدريس الكنبوري [نُشر في 2017/04/17، العدد: 10605، ص(13)]

قطيعة بين الإسلاميين والديمقراطية

تعدّ قضية الديمقراطية لدى التيار الإسلامي واحدة من القضايا التي خلقت حالة من الغموض والالتباس في أدبياته طيلة عقود. ومردّ هذه الحالة مراوحة تنظيمات الإسلام السياسي ما بين الاعتراف العلني بالديمقراطية والتنكر النظري لها، أي الموقف النفعي البراغماتي من الديمقراطية الذي لا يجعلها قناعة راسخة لدى هذا التيار، بقدر ما يسعى إلى توظيفها بغاية الوصول إلى السلطة، ثم التنكر لها بعد ذلك.

ولعل هذا الموقف ناجم عن مشكلة عامة طبعت الفكر العربي الإسلامي في تعاطيه مع إشكالية الديمقراطية والشورى منذ بداية القرن الماضي، إذ ظل هذا الفكر يعاني من ارتباك بين الاثنتين، واتخذ موقفين متناقضين: الموقف الأول ركز على الجانب الإجرائي العملي في كل من الشورى والديمقراطية، فاعتبر أن الخلاف في المصطلح المستعمل لا يعني خلافا في ما يدل عليه، من وجوب فتح باب الحرية السياسية للمواطنين والقطع مع الاستبداد السياسي الطويل.

أما الموقف الثاني فقد غلب عليه الجانب الأيديولوجي في النظر إلى المسألة، فرأى أن كلا من الشورى والديمقراطية تحمل في أحشائها مدلولات معينة؛ فإذا كانت الشورى وليدة المجتمع الإسلامي المتدين ولها “أساس قرآني”، فإن الديمقراطية لصيقة بالدولة العلمانية الحديثة، ولها جذور وثنية تعود إلى اليونان القديمة، ومن ثم لا سبيل إلى التصالح بينهما.

ليس هناك اختلاف في أن الشورى في التجربة التاريخية للمسلمين قد ارتبطت بالجانب التعبدي والأخلاقي لدى الفرد الحاكم، ولم ترقَ لتصبح نظاما مؤسسيا له ضوابط محددة يمكن التحاكم إليه. وبهذا المعنى كان يجري اعتبارها شيئا زائدا يمكن الاستغناء عنه من لدن الحاكم، ومن جهة ثانية فإن الحاكم لم يكن يلجأ إليها إلا في الضرورة، أي في الحال التي يتبين له معها أن هناك مسألة يتعيّن التشاور فيها؛ وبهذا المعنى لم تتحوّل إلى آلية سياسية تجري مجرى العرف والعادة في واقع المسلمين.

يعود هذا إلى كون النصوص الدينية، قرآنا وسنة، ومجموع المأثور الذي قيل في مزايا الشورى، قد تركت الأمر معلقا على التخيير ولم تدخله في حيز الإلزام. ومن جانب آخر فإن هذه النصوص تركت مهمة الشورى بيد الحاكم، الذي هو المركز، إن شاء أعملها وإن شاء عطلها.

إن آية “وشاورهم في الأمر”، على سبيل المثال، توحي بأن ولي الأمر هو المعني بالخطاب، وهو خطاب لا يمكن فصله عن الخطاب الآخر الذي يلح على ضرورة طاعة أولي الأمر في الآية القرآنية الأخرى “يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم” (النساء 59)؛ وإذا جمعنا بين الآيتين تكون قضية الشورى مقيّدة بطاعة الحاكم، الذي يبقى بيده أمر إنفاذها من عدمه.

بيد أننا يجب أن نضع المفهوم في سياقه التاريخي والمجتمعي؛ فكما أنه لا ينبغي إسقاط مفهوم الشورى على واقع الدولة الحديثة، كذلك لا ينبغي إسقاط مفهوم الديمقراطية على واقع المجتمع الإسلامي القديم.

إشكالية الشورى والديمقراطية في وعي التيارات الإسلامية السياسية ظلت مثقلة بالإرث التاريخي والسياق الأيديولوجي

كانت آلية الشورى تناسب مجتمعا تقليديا خاليا من التركيب، تطبعه البداوة وتغيب فيه الدولة، بما هي وحدة سياسية مهيمنة على مختلف الوحدات الاجتماعية الأخرى، كالفرد والأسرة والقبيلة. وفي اعتقادنا، فإن تحرير القول في الشورى لا يستقيم إلا بتحرير القول في سلطة الدولة، كبنية مهيمنة. ومن هذا المنطلق يجب التنويه إلى أن الشورى كانت تناسب مجتمعا تقوم فيه العلاقات الاجتماعية السياسية بشكل أفقي، بين مختلف الوحدات الاجتماعية المشار إليها، فيما الديمقراطية تناسب مجتمعا تنهض فيه تلك العلاقات بشكل عمودي بين الدولة والمواطن.

مع بداية القرن العشرين والحيرة التي أصابت الفكر العربي الإسلامي، في تعرّفه على التجربة الأوروبية الحديثة، لم يتحرر هذا الفكر من سطوة التاريخ، وظل منجذبا إلى مبدأ الشورى على الرغم من نشأة الدولة المعاصرة والمجتمعات المركبة والتعددية السياسية، بل إن مبدأ الشورى نفسه بقي مغيبا رغم الإقرار الأخلاقي به، وهذا ما يكشفه محمد رشيد رضا، أحد الإصلاحيين السلفيين في بدايات القرن العشرين، إذ كتب يقول “لا تقل أيها المسلم إن هذا الحكم (يعني به الحكم المقيّد بالشورى) أصل من أصول الدين ونحن قد استفدناه من الكتاب المبين ومن سيرة الخلفاء الراشدين، لا من معاشرة الأوروبيين والوقوف على حال الغربيين، فإنه لولا الاعتبار بحال هؤلاء الناس لما فكرت أنت وأمثالك أن هذا من الإسلام”.

ومع نشأة تنظيمات الإسلام السياسي ابتداء من النصف الأول من القرن الماضي فإن هذه الازدواجية في التعامل مع الشورى والديمقراطية انعكست عليها. فقد انطلقت هذه التنظيمات منذ البداية من تكفير الديمقراطية جملة وتفصيلا، واعتبارها مرتبطة بالعلمانية والإلحاد. ولم يكن هذا الموقف العدائي المبكر من الديمقراطية وليد دراسة عميقة لتاريخ الفكرة الديمقراطية وإيجابياتها ودورها في الخروج من الاستبداد السياسي، بقدر ما كان رد فعل على الحضارة الغربية من جهة، وانجذابا عاطفيا إلى مبدأ الشورى الوارد في القرآن والسنة.

فضّل الإسلاميون أن يحافظوا على التسمية مقابل التضحية بالمحتوى، والنتيجة هي أن الديمقراطية لم تتأصل في أدبيات الإسلاميين، كما أن الشورى لم تغتن من الناحية العملية لتصبح نموذجا قابلا لمنافسة الفكرة الديمقراطية، فكان الأمر شبيها بالمعنى الوارد في الحديث النبوي”فإن المنبتّ لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى”، ذلك أن الإسلاميين لم يأخذوا بالديمقراطية ولم يطوّروا الشورى.

نستطيع القول بأن إشكالية الشورى والديمقراطية في وعي التيارات الإسلامية ظلت مثقلة بالإرث التاريخي والسياق الأيديولوجي الذي نشأت فيه كل واحدة منهما، وهو ما صنع التباسا بين المفهومين أربك العقل الإسلامي طوال عقود من الزمن، شغل نفسه خلالها بقضية فك الارتباط بين الاثنين، أو المصالحة بينهما، من دون نجاح كبير، بسبب الانقسام في الوسط الإسلامي المعاصر حيال ذينك المفهومين.

لذلك فإن الخروج من هذا الالتباس يقتضي إعادة النظر في الأصول المعرفية لمفهوم الشورى، والنظر إلى الديمقراطية كآلة محايدة وغير متحيزة، واعتبار الاختلافات في تنزيلها في المجتمعات الغربية الحديثة، بالرغم من الاختلافات الدينية والثقافية واللغوية، برهانا على حياديتها وعلى بعدها الإجرائي.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر