الاربعاء 23 اغسطس/اب 2017، العدد: 10731

الاربعاء 23 اغسطس/اب 2017، العدد: 10731

تصاعد الإرهاب وفتح باب المراجعات بين الحكومة والمتطرفين في مصر

  • أحاديث كثيرة تواترت مؤخرا مفادها أن بعض الدوائر السياسية باتت تطالب الحكومة المصرية بتهيئة المجال لاستتابة جماعات وتنظيمات متطرفة، سعيًا إلى تخفيف العمليات الإرهابية التي استعرت خلال الأيام الماضية، وكادت تحدث فتنة طائفية بين المسلمين والمسيحيين، على ضوء استهداف كنائس للأقباط.

العرب أحمد جمال [نُشر في 2017/04/19، العدد: 10607، ص(13)]

معركة أخرى ضد الإرهاب تخاض في السجون

المطالبون بالاستتابة وجدوا الفرصة في دعوات البعض ممن أقلعوا عن العنف والتطرف، بأن إجراء مراجعات هو السبيل الوحيد لوقف الإرهاب، ودارت حوارات مباشرة وغير مباشرة بين الجانبين خلصا فيها إلى أن نزع سلاح العنف يكون بتبني توجهات إسلامية معتدلة، بينما في ظل الحرب المستمرة بين أجهزة الأمن والمتشددين لن تكون هناك فرصة لالتقاط الأنفاس، بعد أن بدت المعركة وكأنها معادلة صفرية من قبل الإرهابيين “إما كل شيء وإما لا شيء”.

تنوع العمليات الإرهابية التي شهدتها مصر على مدار الأشهر القليلة الماضية فتح الباب أمام العديد من التساؤلات حول إمكانية إقدام قيادات التنظيمات الإرهابية داخل السجون المصرية على مراجعات لمواجهة الفكر المتطرف، استناداً إلى تجربة مشابهة مع الجماعات المسلحة في تسعينات القرن الماضي.

وما زاد من الجدل أن نهاية الشهر المنقضي، أي قبل أسبوع واحد من وقوع حادث تفجير كنيستي طنطا والإسكندرية، شهدت تحركات رسمية لتشكيل لجنة من أصحاب الفكر الوسطي، شملت البعض من الشخصيات الدينية والعامة لإجراء مراجعات فكرية، تستهدف التعامل مع جميع العناصر المتطرفة في السجون المصرية.

وهي تحركات أفصح عنها عدد من المشاركين في تلك اللجنة، بينهم نبيل نعيم الجهادي السابق، وأكدت عليها دوائر أمنية قريبة من وزارة الداخلية المصرية، قالت لـ”العرب” إن “الفترة الماضية شهدت تقبل العديد من الشباب المنتمين والمتعاطفين مع جماعة الإخوان لفكرة البحث عن حلول وسطية مع الدولة المصرية والتراجع عن الأفكار المرتبطة بالعنف”.

خطوة تشكيل اللجنة جاءت في وقت نظمت فيه وزارة الداخلية المصرية مؤتمراً بعنوان “مواجهة الفكر المتطرف”، كان على رأس توصياته، تعميم التجربة المصرية لنبذ العنف والقائمة على المراجعات الفكرية للعناصر الإرهابية في السجون، وتصحيح المفاهيم الخاطئة لديهم، تمهيدا لإعادة دمجهم في المجتمع.

وفي الشهر الماضي، أعلنت لجنة العفو الرئاسي المشكلة بقرار من الرئيس عبدالفتاح السيسي، الإفراج عن 200 سجين، بينهم البعض من المتعاطفين مع جماعة الإخوان، وهو التصنيف الذي نشرته الجريدة الرسمية في نص قرار الإفراج، ما دفع دوائر سياسية عديدة التأكيد على وجود الرغبة في تقبل المراجعات.

وعلمت “العرب” بوجود تحركات داخل السجون المصرية لعقد مراجعات فكرية لبعض السجناء، تنتهي بخروجهم من المعتقلات، مقابل التراجع عن معتقداتهم التكفيرية.

لكن في المقابل، رأى العديد من المراقبين أن الوضع العام يشي بأن هناك انسدادا سياسيا وفكريا يعوق إجراء مراجعات حقيقية، كما أن إثارة الحديث مجدداً جاء بعد عام تقريباً من محاولة أخرى لم يتم الإعلان عنها رسميا، لكنها لم تكلل بالنجاح، ما ظهر من خلال تصاعد حدة العمليات الإرهابية خلال الفترة الماضية.

وذكرت وسائل إعلام عديدة أن أسامة الأزهري، المستشار الديني للرئيس المصري، قام بعقد ندوات فكرية لمجموعة من السجناء السياسيين ذوي الخلفية الإسلامية، تمهيداً للسعي إلى العفو عمن يتأكد تخليه عن الأفكار التي يحملها، داخل سجن “العقرب2″، الذي يقع ضمن سجون منطقة طره (جنوب القاهرة).

نجاح المراجعات غير أكيد في الحالة المصرية، لأن التنظيمات المسلحة مازالت تمتلك القدرة على التحرك

هناك عوامل عدة قد تسهم في نجاح الجهود الفكرية مع التنظيمات الإرهابية داخل السجون، على رأسها تعرضها لهزائم متتالية تدفعها إلى البحث عن مسارات مختلفة، وبالتالي فإن الرغبة تكون من جانب الجماعات التكفيرية، بالإضافة إلى وجود شخصيات قادرة على التعامل فكريا وتفنيد الأسانيد الجديدة لانتهاج العنف، والتي شهدت تطورات لافتة خلال الموجة الحالية للإرهاب.

غير أن البعض من المحللين يرون أن عوامل نجاح المراجعات غير متوفر بالنسبة للحالة المصرية حاليا، نظرا إلى أن التنظيمات المسلحة مازالت تمتلك القدرة على التحرك، وإحداث حالة من الارتباك في الداخل المصري من خلال عملياتها المتنوعة، كما أن عدم وجود دراسات حديثة لمواجهة التطور الفكري للتنظيمات الإرهابية يجعل من الصعب إتمام المهمة، في ظل حالة الجمود الفكري الذي تعانيه بعض المؤسسات الثقافية والدينية.

وقال ثروت الخرباوي، القيادي المنشق عن جماعة الإخوان، إن تعامل الحكومة المصرية مع مسألة المراجعات ينقسم إلى ثلاثة مستويات، الأول يتعلق بتوجيه خطاب وسطي إلى الشباب المتعاطف مع الإخوان، وهو ما قد يشهد نجاحات خلال الفترة المقبلة. والثاني يرتبط بالتنظيمات المتشددة وعلى رأسها داعش، ويتطلب وضع منظومة فكرية للتعامل مع إحيائها لأفكار الجهاد.

والمستوى الثالث يرتبط بجماعة الإخوان، والتي تتسبب طبيعتها الفاشية في حالة الانسداد الحالية، ويرجع ذلك لإيمانها الخاطئ بأن أفكارها مدعومة من الله، وهو الموقف الذي تصر الجماعة على اتخاذه منذ التسعينات ومنذ تلك الفترة لم تعلن الجماعة بشكل رسمي أي مواقف مخالفة لذلك الرأي.

الخرباوي شدد على أن أي مواجهة فكرية ينبغي أن يضاهيها خطاب سياسي يقابل خطاب المظلومية السياسية التي تسوقه تلك التنظيمات، الأمر الذي يحتاج إلى مواجهة إعلامية وثقافية وسياسية شاملة لا يتم ترويجها داخل السجون فقط، لكن عن طريق جميع وسائل الإعلام المختلفة، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي.

وتلك النقطة تحديدا تجعل من إعادة تجربة المراجعات في التسعينات خلال المرحلة الحالية مسألة غير مجدية، إذ اقتصرت آنذاك على الجانب الفكري والعقائدي دون بقية الجوانب، بالإضافة إلى أن قبول مراجعات داخل السجون أضحى الآن بيد الدول الداعمة لتلك العناصر أكثر من القيادات الفاعلة.

وبحسب البعض من المراقبين، فإن أي محاولات ترتكن إلى تجربة التسعينات لن تحدث تغييراً في سلوك التنظيمات الإرهابية، والنظر لتلك التجربة على أنها كانت ناجحة هو أمر خاطئ، بعد أن انخرط العديد من قياداتها في أعمال عنف ضد الدولة خلال السنوات الماضية ما برهن على أن تراجعهم السابق كان لتحقيق أهداف تكتيكية.

وقال وليد البرش، القيادي المنشق عن الجماعة الإسلامية، إن التنظيمات الإرهابية تجيد اللعب بورقة المراجعات لكسب أرضية شعبية، لكنها غير مستعدة للدخول في مفاوضات بشأنها حاليا، الأمر الذي تدركه الحكومة المصرية ما يظهر من خلال مواقفها المعلنة برفض التراجع عن أي إجراءات اتخذتها بشأنها.

وأوضح أن إثارة مسألة المراجعات من قبل التنظيمات الإرهابية بعد كل حادث إرهابي ترتكبه، يشي بأن الهدف ليس الوصول إلى حلول نهائية للصراع الحالي، لكنه يأتي ضمن خطط التنظيمات لتكوين حاضنة مجتمعية تستوعب تحركاتها.

وذهب البعض إلى التأكيد على أن تصعيد خطاب الانقسام داخل جماعة الإخوان يؤكد عدم جدية الجماعة في اللجوء إلى المراجعات، وإنما هي فقط تبحث عن أساليب مختلفة لجس النبض الداخلي قبل دخولها في مفاوضات فكرية، وهو ما ظهر من خلال إعلان جبهة القيادي الإخواني الراحل محمد كمال نيتها إجراء مراجعات واسعة، الأمر الذي نفته الجبهة المناهضة التابعة لمحمود عزت.

وأشار البرش إلى أن التعامل مع التنظيمات الإرهابية لم يعد أمرا داخليا تستطيع الدولة حله من خلال القيادات الموجودة لديها في السجون، لكن انتقالها لمسألة العالمية يفرض التحرك سياسيا لقطع الإمدادات واتخاذ إجراءات دبلوماسية ضد حلفائهم الدوليين.

وأكد فؤاد علام، الخبير الأمني، لـ”العرب” أن عدم جدية التعامل مع المراجعات الفكرية من قبل الحكومة والتنظيمات الإرهابية أدى إلى إفشال المحاولات السابقة، وسيكون عائقاً أمام الخطوات المقبلة.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر