الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الإرهاب وليد التخلف الفكري والاقتصادي والاجتماعي

  • متى ستدرك الشعوب العربية، التي هي الضحية الأولى لأيديولوجية القتل والإرهاب، أنه عليها واجب أخلاقي وديني لعزل وكشف ومعارضة منظرين لتلك الأيديولوجيا من العلماء والمشايخ، سواء عن طريق السكوت أو التحريض أو إيجاد الذرائع أو حتى إصدار إدانات باهتة للإرهاب في العلن ومباركته في السر، مستندين إلى تفسيرات خاصة لبعض آيات القرآن الكريم والأحاديث والحوادث التاريخية أو اختلاق بعضها.

العرب مرتضى بن حسن بن علي [نُشر في 2017/04/20، العدد: 10608، ص(13)]

التطرف آت من المرويات

لا فائدة من إنكار وجود أسباب عديدة حديثة وموروثة، ساهمت في إنتاج مناخ عربي مريض يفرخ الإرهاب، الذي لا ينمو من فراغ، بل يحتاج إلى تربة وبذور وسماد ومناخ مناسب. ولكي نكون صادقين مع أنفسنا ومع غيرنا، لا بد من الاعتراف بأن العنف ظاهرة تنبع من حقائق اقتصادية واجتماعية وتعليمية وفكرية.

هناك بالتأكيد من يساعد الإرهاب بالتحريض والدعم والتمويل، ولكن لا أحد يستطيع أن يستغل إلا ما هو قابل للاستغلال، أي أن المناخ المولد لظاهرة ما، هو الذي يساعد أكثر من غيره على ظهور واستفحال هذه الظاهرة. فالتحريض والدعم والمساعدة لا تكون قادرة على التأثير إن لم تكن الأرضية جاهزة والجو مهيّأ. لذلك فنحن مطالبون بمعرفة جذور الإرهاب.

ما الذي يجعل عددا كبيرا من العرب ينبهر باستعداد شخص للموت من أجل قتل أبرياء آخرين؟ ما الذي يدفع الانتحاري إلى إنهاء حياته وهو في مقتبل عمره، أملا في الحصول على حياة مليئة بالحور العين والغلمان المخلدين وأنهار الخمر وكل أدبيات “الاستشهاد” الانتحاري؟ تلك الأسئلة التي لم نواجهها من زواياها المعرفية والتاريخية والواقعية تستحق الكثير من البحث المتمعن.

وصايا الانتحاريين المسجلة، تشير إلى استقرار نفسي يملأ قلوبهم وقناعتهم التامة بالعمل الانتحاري بقصد تغيير واقع يراه سقيما ومريضا أو منعا لحصول واقع جديد يحسبه أكثر سقما ومرضا من الواقع الذي يعيشه. تلك الأيديولوجيا تغذيها بقصد أو جهل أو تجاهل العديد من المناهج التعليمية ودروس المساجد ووسائل الإعلام، مستندة إلى حشد هائل من الفتاوى المتناقضة وبعض الأطروحات التي تقسم المسلمين إلى فرق هالكة وأخرى ناجية، وتنشر الكراهية والحقد بين أتباع الديانات والمذاهب والطوائف والملل والنحل.

نحن أمام أزمة اجتماعية تعليمية اقتصادية لها زوايا إنسانية وفكرية تستــوجب التـدقيق بالبصر والبصيرة معا

قد نعزّي أنفسنا بالقول إن كل ذلك من أعمال مجموعة صغيرة من الأفراد، دون الاعتراف الصريح بأن تلك الأعمال هي الثمرة المرة لقبولنا وسكوتنا على اختطاف الدين من قبل المتطرفين، بينما تراقب الأغلبية بخليط من القلق والإعجاب أو عدم الاكتراث، ما يجعل تلك المجموعة تعتقد أنها تتمتع بالتأييد الضمني من الأكثرية.

تلك المجموعة ستظل تعتقد أنها تتمتع بتأييد الأكثرية الضمني، إلى أن ترفع الأغلبية صوتها عاليا وجهارا في إدانة الهجمات الإرهابية من دون تحفظ أو شروط أو كلمات اعتذارية مثل “لكن! وإذا، وعندما، وشريطة”.

الحقيقة الماثلة أمامنا تشير إلى أن نجاح تلك الأطروحات في إغراء واحد بالمئة فقط، يعني بعملية حسابية بسيطة أنها قادرة على إفراز نحو 30 مليون إرهابي من المتعاونين أو المتعاطفين.

هناك أسباب عديدة لتفسير قدرة تلك الأطروحات على التأثير. فالظروف المحيطة أوجدت حالة من الخلل في التوازن الاجتماعي والفكري في المجتمعات العربية، وأدت إلى هزات قاسية وعنيفة وتشققات خطرة في البنيان الاجتماعي العربي.

إن دراسة أحوال المجتمعات العربية تتطلب معرفة عامل “الخصوصية” الخاصة بتكوين العرب وتحديده باستقلال علمي وفكري ومن زوايا معرفية وتاريخية وواقعية، بمعزل عن التعميمات السطحية للأفكار السائدة، وبمنأى عن المثاليات والوجدانيات القومية والوطنية والدينية والاتهامات بالكفر والإلحاد والردة غير المستندة إلى أسس علمية أو منطقية أو دينية.

لقد فقد العرب قوة الدفع الذاتي الأساسية للسير إلى الأمام، وحل محلها القصور الذاتي. ولا بد من معرفة أسباب ذلك تمهيدا لاستنباط العلاج الناجع ليتناسب مع تلك “الخصوصية”. لم يعد جائزا أن نبقى نتعاطى مع “مسلسل” الكوارث، كل كارثة على حدة. فالنظرات الجزئية والآنية لا تغير من واقع الحال شيئا. ومهما كانت مسؤولية الخارج، وهي كبيرة، فمن المهم أن نعرف نحن مسؤولياتنا، وذلك عن طريق رؤية الوضع كما هو، ومعالجة الأسباب التي تفرخ الإرهاب.

مهما كانت مسؤولية الخارج، وهي كبيرة، فمن المهم أن نعرف نحن مسؤولياتنا، ومعالجة الأسباب التي تفرخ الإرهاب

لسنا أمام حادث أو حوادث فردية، ولسنا أمام فئة ضالة أو قلة مخربة، إنما نحن أمام أزمة اجتماعية تعليمية اقتصادية لها زوايا إنسانية وفكرية تستوجب التدقيق بالبصر والبصيرة معا.

الوضع العربي يحمل “أنيميات” التخلف ولا بد أن نتعامل مع ملفه واقعيا ومعرفيا وفكريا. ووجود قوى خارجية “تتآمر” علينا، يجب ألا يعفينا من مسؤولية مصيرنا. فالقوى الخارجية ستفعل ما تستطيع من أجل مصالحها.

لكن ما الذي يمنعنا من العمل الجدي لحماية بلداننا والعمل على تقدمها وتطويرها؟ ولماذا استطاعت دول عديدة في العالم تجاوز “المؤامرة” الخارجية واستثمارها والاستفادة منها، بينما لا يزال العرب متخلفين عن ذلك؟

البحث عن هذه الحقيقة لا يزال غائبا وهنا تكمن أسباب الخطأ في التشخيص والعلاج. فكل مرض معالج قابل للعودة إذا ما قلت المناعة ضده. والمناعة لا تأتي من استعمال طب بدائي يلجأ إلى نحر الذبائح دفعا للأرواح الشريرة التي نحسبها سبب المرض. غياب التشخيص الدقيق هو جعل فئات الشباب مضغوطة ومحاصرة أكثر من اللازم، في حين ينبغي أن تكون مستودع الطاقة الحيوية والاجتماعية ومخزن طاقتها القادر باستمرار على دفع موجات التقدم.

هناك تخلف كبير ارتضيناه، وهو العنوان الكبير لما يجري من كوارث وهزائم وصراعات تعودنا أن نسميها “مؤسفة”. هذا الأسف المتكرر أصبح سمة من سمات ذلك التخلف.

إذا لم يبادر العرب بفتح ملف “التخلف” بكل أبعاده وامتداداته وجذوره التاريخية والمعرفية، وبكل ما يملكون من قدرة على البحث والتشخيص والتحليل والمعالجة، فإنهم لن يغادروا الحالات “المؤسفة” التي يرونها في واقعهم الراهن، ويتابعونها كل يوم عن مصير أوطانهم في النشرات الإخبارية.

وكل “آت” سيكون أكثر مدعاة “للأسف” من المأسوف عليه مع الأسف الشديد ويدفعهم إلى المزيد من الانزواء والتراجع إلى المجهول.

كاتب من سلطنة عمان

مرتضى بن حسن بن علي

:: مقالات أخرى لـ مرتضى بن حسن بن علي

:: اختيارات المحرر