الخميس 19 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10517

الخميس 19 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10517

فقه السلفيين يقف خلف جرائم مروعة

الفقه الذي يعكف التيار السلفي على تلقينه لمرتادي تجمعاتهم ودروسهم، يصور المسيحي كمواطن من درجة ثانية، ويميّز بين مواطن وآخر على أساس الانتماء الديني.

العرب هشام النجار [نُشر في 2017/01/06، العدد: 10504، ص(13)]

أقباط مصر الضحايا الأوائل لفتاوى الجهلة من السلفيين

القاهرة- اهتزت مشاعر المصريين، بمسلميهم ومسيحييهم، لجريمة إقدام أحد المصريين، وقد قبض عليه في الإسكندرية، وهو من المنتمين إلى التيار السلفي، على جريمة ذبح مواطن قبطي، وتساءل الكثيرون عن الدافع وراء ارتكاب تلك الجرائم، وجاءت الإجابات تشير بأصابع الاتهام إلى الفتاوى المغلوطة، التي يبثها البعض من السلفيين في عقول البسطاء من المسلمين، فيغسلون بها أدمغتهم، ويسيئون بها إلى الإسلام.

تنظيم داعش، ليس له حضور داخل تلك البيئات، لتعلق عليه شماعة الاتهامات، كما لا بد من الانتباه إلى ما يطلق عليه بـ“مصانع إنتاج الإرهابيين”، داخل مساجد وتجمعات السلفيين، عبر استخدام فتاوى التكفير. الشيخ كرم زهدي، مؤسس الجماعة الإسلامية، الذي يقيم بالإسكندرية، أكد لـ“العرب”، أن الفقه القديم الذي يتم تلقينه للشباب من دون تنقية يأتي في مقدمة الأسباب، وأنكر زهدي، على التيار السلفي تدريسه للفقه القديم، الذي يُعد مجرد رأي توصل إليه فقيه ما في زمن له ظروفه الخاصة.

التيار السلفي، الذي تعدّ الإسكندرية أحد معاقله، يعتمد بشكل كبير، على آراء وفتاوى ابن تيمية وابن القيم، الذي يرى أن تولية المسيحيين المناصب، يعد من جنس ولايتهم ومودتهم، وأنه من تولاهم فهو منهم، وأن الإيمان لا يتم إلا بالبراءة منهم، كما أنه يلزم أهل الكتاب، بالوقوف إذا مرّ مسلم عليهم، ويجب أن تُجزّ نواصيهم (مقدمة شعر رؤوسهم) ليتميزوا عن المسلمين، كما لا تجوز لهم تعلية أبنيتهم على أبنية المسلمين.

ومع احتفالات أعياد الميلاد، يكثر إطلاق شيوخ التيار السلفي لفتاوى تحريم تهنئة الأقباط بأعيادهم، باعتبارها أعيادا دينية. ومؤخرا، شن سلفيون هجوما على المسؤول الإعلامي لحزب النور السلفي، لمجرد مصافحته أحد القساوسة في إحدى الندوات. ويستدعي التيار السلفي الآراء الفقهية القديمة، كنموذج للشريعة التي يسعون إلى تطبيقها، فيما يؤكد مراقبون، أن الكثير من السلفيين لا تنقصهم سوى السلطة، ومنطقة جغرافية يسيطرون عليها، ليصبحوا صورة شبيهة بتنظيم داعش.

مع احتفالات الميلاد، يكثر إطلاق شيوخ التيار السلفي لفتاوى تحريم تهنئة الأقباط بأعيادهم، باعتبارها أعيادا دينية

ويرى عبدالفتاح إدريس، رئيس قسم الفقه المقارن السابق بجامعة الأزهر، أن هذه الآراء الفقهية، تخص ملابسات عصر بعينه، ويستطيع المجتهدون اليوم الخروج بآراء وأحكام فقهية في نفس القضايا توافق الثوابت، لكنها في الوقت نفسه تناسب العصر الحالي ومستجداته. وشدد، في تصريحات لـ“العرب”، على أن واقع اليوم مختلف، إذ تغيّر شكل الوظائف ومهامها، ولم يعد هناك ما يسمى بوزير التفويض (كما ورد بالأحكام السلطانية للماوردي)، الذي كان يملك صلاحيات مطلقة، بلا رقابة ولا مساعدين أو مستشارين، كما لم تكن هناك حكومة ولا رئيس دولة، ولا هيئات شعبية ورسمية تحاسبه وتراقب أداءه، فكيف يُمنع من هذا المنصب غير المسلم؟

كما لم يعد عندنا اليوم ذلك “القاضي الواحد”، الذي يحكم وحده من دون درجات قضاء أخرى. وضرب إدريس مثلا بقضية “الجزية”، التي يتشبث بها السلفيون، وأكد أنها غير مرتبطة بعقيدة، حيث يرى السلفيون أن المسيحيين -لكونهم مسيحيين- عليهم دفع ضريبة الجزية، وهذا خطأ، لأن عِلّة الجزية هي الإعفاء من أداء الخدمة العسكرية، سواء كان الذي أعفي منها مسلما أو مسيحيا أو يهوديا لسبب أو لآخر، وكانت تسمى “البدلية” بمصر قديما، وبهذا المفهوم، يمكن فرضها أيضا على مسلمين تمّ إعفاؤهم من الجندية، وبالفعل فقد فرضت من قبل، على الفلاحين المسلمين في مصر، عندما تمّ إعفاؤهم من الخدمة العسكرية.

ويعتقد الكثير من الخبراء في شؤون الحركات الإسلامية أن هناك خلطا معيبا لدى التيار السلفي، بين الدولة القائمة على وحدة العقيدة، ودولة العقد الاجتماعي القائمة اليوم، والتي يتساوى فيها المواطنون في الحقوق والواجبات، بغض النظر عن دينهم أو مذهبهم. دولة العقيدة، كانت في الماضي هي الأساس، وتُعلَن الحرب دفاعا عنها، ويباشرها المسلمون وحدهم دون غيرهم، وبالتالي كانت هناك خصوصية “زمانية” لطبيعة الأحكام الفقهية المتعلقة بغير المسلمين وقتها، أما اليوم فإن الوضع مختلف.

وقديما كانت الحروب للدفاع عن العقيدة الجديدة، لإتاحة الحرية الدينية، وكان المسلمون في وضع ضعيف من الناحية العددية، بينما اليوم فإن حرية اعتناق أي دين مكفولة في العالم كله، وهناك تفوق عددي للمسلمين في بلادهم، بحيث لم يعد هناك خوف على عقيدة المسلم من مساهمة غير المسلمين في الشؤون العامة. وكانت صيغة حرية الاعتقاد، هي الأصل قبل الفتوحات، ونشأة الأحكام الفقهية المرتبطة بالتوسع والحروب القائمة على العقيدة، ومرجعيتها دولة المواطنة، التي أقامها الرسول بالمدينة.

وعلى أساس “وثيقة دستور المدينة”، التي اعتبرت اليهود من مواطني الدولة، وجعلت لهم من الحقوق والواجبات مثل ما للمسلمين، نشأت دولة العقد الاجتماعي، التي يتساوى فيها جميع المواطنين في الحقوق والواجبات. ويعتبر خبراء في الإسلام السياسي، أن الفقه الذي يعكف التيار السلفي على تلقينه لمرتادي تجمعاتهم ودروسهم، يصور المسيحي كمواطن من درجة ثانية، ويميّز بين مواطن وآخر على أساس الانتماء الديني.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر