الثلاثاء 26 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10763

الثلاثاء 26 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10763

السلفية جسم غريب عن روح المجتمع التونسي

  • هل فجأة ودون سابق إنذار، ظهر السلفيون في الشارع التونسي بعيد 14 يناير 2011، وأشاعوا سلوكيات ومظاهر لم يكن يعرفها المجتمع التونسي، أم أن الأمر أشبه بـ“خلايا نائمة” كانت تنتظر لحظة الانقضاض، ولها ما يغذيها ويعزز حضورها اجتماعيا وسياسيا على اعتبار أنها تسد ثغرات عجزت عنها أحزاب سياسية ترفع لواء الحداثة؟

العرب  [نُشر في 2017/01/06، العدد: 10504، ص(13)]

وجوه وهيئات لم يكن يعرفها التونسيون قبل 14 يناير 2011

تونس- المتتبع لشريط الأحداث في تونس بعد 14 يناير 2011، يتأكد من الطابع التصاعدي في حراك السلفيين، فقد بدأ الأمر مُحتشما، شبيها بعملية جسّ نبض “السلطة الانتقالية” المتهاوية أصلا آنذاك، ونبض الشارع الذي كان جاهلا بهم، وهم السلفيون كانوا غرباء عنه. فمن التظاهر أمام كنيس يهودي بتونس العاصمة، إلى إقامة صلوات الجمعة في شوارعها وتعطيل حركة المرور، إلى الهجوم على قاعة سينما تعرض فيلما لم يكن على مزاجهم، إلى محاولة حرق كنيسة مسيحية، إلى ظهور هيئات “شرعية” لنصرة الإسلام، وغيرها من تلك التي لم يعهدها التونسيون، وتمادى السلفيون في ظل غياب ردود واضحة على استهدافهم للحريات العامة والخاصة، ولا سيما عدم ظهور مواقف سياسية متجانسة من هذا التدخل السافر في نمط الحياة المجتمعي، ومحاولة فرض نموذج غريب على شعب تونس.

الباحث المهدي بن عبدالجواد، في بحثه الذي حمل عنوان “تحولات السلفيين في تونس بعد الثورة”، والذي تضمنه كتاب “الخارطة التونسية بعد الثورة: السلفيون، التقدميون، الشيعة”، الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث في دبي، يرى أن حركة النهضة التونسية، أكبر التنظيمات السياسية الإسلامية في تونس، وإن بادرت بالانخراط في العملية السياسية الديمقراطية، فإن السلفيين رفضوا ذلك وذهبوا إلى المساجد، فغيروا أئمتها، وأعلنوا عن وجودهم وحضورهم المادي في الشوارع مستغلين ضعف الدولة وهشاشة الحكومة الانتقالية وتراخيها، ومناخ المدّ الثوري وفرض حق حرية التعبير والتظاهر عامة، للإعلان عن وجودهم.

أتباع التيارات السلفية ينقسمون إلى صنفين: قيادات شبابية لها مستويات تعليمية مرتفعة، وأتباع أغلبهم من بسطاء التفكير

شهدت مدن تونس وقراها ومعاهدها وكلياتها وشوارعها بعيد 14 يناير، تناميا عجيبا لأصوات تكفّر المناضلين السياسيين والحقوقيين والإعلاميين وأساتذة المعاهد والجامعات، في تدخل سافر في حريات الأفراد الشخصية، من ملبس ومشرب، وآراء لم يألفها التونسيون، ومن سلفيين كانوا حتى الأمس القريب، مجهولين ونكرات ومتخفين بين عموم التونسيين.

مراقبون ومحللون يرون أن اللجوء إلى معالجة الأحداث عبر العنف المادي علامة على هشاشة الوضع، والسلفيون كانوا يستفيدون آنذاك من هشاشة الحكومة المؤقتة، ومن نفاد صبر الشباب ونقص شجاعة الأحزاب الكبيرة التي لا تتخذ موقفا من الحرية الدينية، إذ أن الإسلاميين عموما، فرضوا حوارا حول الهوية العربية الإسلامية في تونس، الأمر الذي أجبر حتى الأحزاب الأشدّ قولا بالحداثة تعتبرها مرجعا لها، لأنه ليس بإمكان أيّ كان تشكيل وصياغة مشروع مجتمعي يضمن حماية الأقليات المختلفة في العقائد أو الآراء.

مرّت الحلقات السلفية في تونس بعد 14 يناير مباشرة إلى العمل الميداني، ففرضوا لباسهم وأصواتهم وآراءهم، على الجميع. بل ويتصدرون في الكثير من الأحيان المشهد الإعلامي في البلاد. وعلى الرغم من أن أعدادهم تُعد بالعشرات فقط، فإن لهم قدرة تعبوية كبيرة، ويتمتع الكثير من أعضاء هذه الحلقات السلفية، عكس أقرانهم، في الحركات السلفية الشبيهة، بمستوى تعليمي مقبول، وخصوصا بقدرات كبيرة على إدارة الجدل والحوار النظريين والسياسيين.

وصار بإمكاننا اليوم أن نعرف بعض خصائص “مريدي” هذا التيار السلفي، ويذهب الأستاذ، أعلية العلاني، إلى أن “الانتماء إلى التيار الجهادي يخضع لمقاييس ومواصفات محددة. وأكد أحد المُفرج عنهم من التيار السلفي، أن الانتداب لهذا التيار يمرّ حتما عبر مراحل، إذ يتمّ في البداية انتقاء الذين لهم توجّه سلفي من خلال ترددهم على المساجد والدروس، ومن الذين يُظهرون استعدادا فكريا لقبول الفكر السلفي، وذلك من خلال بعض الحوارات وبعض النقاشات التي تجرى معهم، فيتمّ توجيههم إلى دراسة بعض الكتب والمراجع”.

وفي الحلقة الأولى من التنظيم يتمّ تمكينهم من كتب سيّد قطب وأقطاب التيار السلفي، ويتمّ كذلك مدّهم بخطب وأشرطة بن لادن والمقدسي وأبوقتادة وغيرهم. وعندما تظهر لديهم استعدادات جدية في التفاعل مع هذه الخطب والأشرطة، يقع إدخالهم إلى خلايا تنظيمية سرية ويطلب منهم أداء البيعة. ينقسم أتباع هذه التيارات السلفية إلى صنفين: قيادات شبابية، لها قدرات على الخطابة والحِجاج، ولها مستويات تعليمية عالية، وأتباع أغلبهم من بُسطاء التفكير، ومن طبقات فقيرة ومن أحياء وقرى مهمشة، وليس لهم تحصيل تعليمي يُذكر عدا ما تلقوه في حلقات المساجد من معارف فقهية ودينية موجهة، لإعدادهم للجهاد ونصرة الإسلام والانتصار للمقدسات.

بناء دولة القانون، سيُساهم في انحسار التيارات السلفية، خصوصا وأن الثورات العربية كشفت هشاشة الادّعاء، بوجود الدولة في مفهومها الحديث

غير أن أشهر تحركات المجموعات السلفية، حصل ولا يزال جاريا، في كلية الآداب والفنون والإنسانيات بمنوبة، في الضاحية الغربية للعاصمة التونسية، فهذه الكلية، تميزت منذ تأسيسها، بكونها رافعة للواء الفكر التنويري في تونس، فعلى مدارجها درّس أساتذة أجلاء، التراث العربي الإسلامي في مختلف تفريعاته العقائدية والفقهية وملله ونحله، بمقاربات تنهل من منجزات العلوم الإنسانية الحديثة ومناهج البحث العلمي والأكاديمي بحسب المعايير الدولية.

تخرجت من رحاب هذه الكلية، التي تضم اليوم الآلاف من الطلبة في مختلف الاختصاصات، “نُخب” متفتحة تدرس بمعاهد تونس، وتُؤثث المشهد الإعلامي والسياسي والاجتماعي في البلاد. وتميزت هذه الكلية بانفتاحها الكبير، على مستوى حريات البحث الأكاديمي، باعتباره قاطرة التطوّر الفكري والعلمي في البلاد، وكذلك بفرضها استقلالية في تسيير شؤونها في أحلك فترات القمع السياسي.

ويقول الباحث بن عبدالجواد، إن الظهور العلني لهذا التيار السلفي في تونس بعد ثورة الرابع عشر من يناير، امتحان كبير لكل القوى السياسية في تونس، وعلى رأسها حركة النهضة. فهذه الحركة مطالبة، أكثر من غيرها، بحزم أمرها، والقيام بالمراجعات النظرية الضرورية والمؤلمة، لتضع حدودا فاصلة بينها وبين هذه التيارات السلفية الأصولية، ومرجعياتها العقائدية، ويؤكد أنه غير مقبول من قيادات هذه الحركة التي تحكم تونس اليوم، أن تنادي بالخلافة السادسة الراشدة أو التصريح علانية، بالامتنان للشيخ ابن باز، لأن ذلك يجعل نقاط التَّماس مع السلفيين قوية جدا، وقد يجعل من الحديث عن “مهادنة” الحركة ذات “الإسلام المعتدل” لهذه التيارات أمرا حقيقيا. ويعتقد أنه علينا أن ننتظر المؤتمر القادم لحركة النهضة، لنعرف حدود الاتصال والتواصل والقطيعة مع السلفية، منهجا في التفكير، وتنظيمات، ومشروعا مجتمعيا.

ويخلص صاحب البحث إلى أن بناء دولة القانون، سيُساهم في انحسار التيارات السلفية، خصوصا وأن الثورات العربية كشفت هشاشة الادّعاء، بوجود الدولة في مفهومها الحديث، إذ سرعان ما طفت على السطح أكثر التعبيرات الاجتماعية والسياسية والعقائدية تقليدية. والتحدّي الآخر في تونس يكمن في إعادة إحياء التيار التنويري ضمن الدراسات الحضارية والفقهية، بشكل يُساهم في خلق حراك فكري، قائم على الجدل النقدي.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر