الاربعاء 29 مارس/اذار 2017، العدد: 10586

الاربعاء 29 مارس/اذار 2017، العدد: 10586

انهيار الوعي السياسي يؤول إلى صعود غرائز العنف الطائفي

  • مصطلح الدّهماء لا يدلّ على كتلة الشّعب ككيان سياسي يحافظ فيه الفرد على وجوده كذات مستقلة، ولا هو يدلّ على كتلة الجماهير كحالة اجتماعية أو احتجاجية قد تتخللها نقاشات وتجاذبات، ويحافظ فيها الفرد على هامش من الاستقلالية، وإنما يدل مصطلح الدّهماء على الجموع في حالة هياج انفعالي جماعي، حيث تنحدر ردود أفعال الناس إلى مستوى غرائز القطيع، فيذوب الفرد بصفة نهائية، أو يغدو مجرّد استجابة غريزية متماهية مع حالة الهياج العام، مثلما يحدث لبعض قطعان الثدييات الجامحة، أو كما يحدث أيضا في حالات الشغب التي تعقب بعض مباريات كرة القدم، أو مثلما يحدث خلال الحملات الانتخابية في بعض القرى النائية، أو كما يحدث لسرب الجراد حين يخفّ للطيران، ومنه أُخذت الدلالة الاصطلاحية لمفردة الغوغاء.

العرب سعيد ناشيد [نُشر في 2017/01/09، العدد: 10507، ص(13)]

الشحن الديني بتعلة الذود عن الإسلام

إن الخطر الأكبر الذي بات يتهدّد المجتمعات الإسلامية قد تعدّى اليوم الإرهاب بكل ما يحمله من قدرات هائلة على التفجير والتخريب والتهجير، وبكل ما قد يحمله في المستقبل القريب من مخاطر امتلاك أسلحة الدمار الشامل، فيما يبدو أنه الفصل الأشد قتامة من فصول “الصحوة الإسلامية” المزعومة.

إننا نقف اليوم أمام عتبة درك جديد من دركات السقوط الفتنوي. لقد انتقلنا من عصر الشعوب إبان حركات الاستقلال الوطني في النصف الأول من القرن العشرين، إلى عصر الجماهير إبّان صعود قوى اليسار في سنوات السبعين من القرن العشرين، ونكاد ندخل اليوم إلى عصر الدهماء. أو هكذا تبدو حالتنا اليوم.

لقد نجحت “الصحوة الدينية” المزعومة في مسح ذاكرة الشعوب من الرموز الوطنية المرتبطة بالمكان، بدعوى أن الأديان فوق الأوطان، وأن الإسلام لكونه صالحا لكل زمان ومكان فإن “أمة الإسلام” خارج الزمان والمكان. بهذا النحو امّحى مفهوم الشعب نهائيا، وفسح المجال للتمزقات الطائفية والمذهبية والثقافية والجهوية، موازاة مع تسيّد الدهماء للشارع السياسي. وكل ذلك بمباركة من خطباء المنابر الدينية، والساسة الشّعبويين، والفضائيات الفتنوية.

بالعودة إلى تاريخ الإسلام نلاحظ أن بداية دخول الدهماء إلى حلبة المشهد السياسي كانت إبّان الثورة على عثمان بن عفان، وتحديدا في لحظة انقلاب معظم الثائرين عليه إلى باكين عليه عقب مقتله، رافعين قميصه، مطالبين بالثأر له. ولا غرابة في هذا التقلب فإن الدهماء مجرّد حالة انفعالية معرضة للتقلب بين عشية وضحاها، لأي سبب طارئ، أو لمجرّد تبدّل في المزاج العام.

وعلى سبيل المثال، فإن الدهماء التي حرضت الحسين بن علي ثم خذلته لأن مزاجها النفسي خلال ثورته في كربلاء لم يكن يسمح لها بنصرته، هي التي صارت من أشدّ الباكين عليه والمطالبين بالثأر له. هنا تكمن خطورة الدهماء حين تتسيّد الشارع وتفرض مزاجها العشوائي على الجميع، وهنا أيضا تكمن خطورة الساسة الانتهازيين الذين يصفون حساباتهم السياسية عن طريق إثارة غرائز الدهماء. إنه اللعب بالنار في آخر التحليل.

غير أن النصف الأول من القرن العشرين الذي شهد بداية نشوء الدولة الوطنية الحديثة في مجتمعات الجنوب، سيشهد أيضا تراجع كتلة الدهماء أمام بروز قيادات وازنة لحركات التحرر الوطني على امتداد العالم الإسلامي، من السنغال في عهد الزّعيم ليوبولد سيدار سنغور، وهو أول رئيس للبلاد، إلى إندونيسيا في عهد الزعيم أحمد سوكارنو، وهو أيضا أول رئيس للبلد. لقد كان الأمر يتعلق أيضا بقادة لحركات التحرر فرضوا احترام شعوبهم، وشعوب العالم بأسره.

عقب انتصار الثورة الإيرانية، بدا الأمر كأن ظاهرة الدهماء آخذة في الرجوع إلى الشارع السياسي للمجتمعات الإسلامية

عقب انتصار الثورة الإيرانية عام 1979، وتحديدا بعد انقلاب 1981 على حكومة أبوالحسن بني صدر، وصعود الأيديولوجية الخمينية، بدا الأمر كأن ظاهرة الدهماء آخذة في الرجوع إلى الشارع السياسي للمجتمعات الإسلامية: مسيرات نصرة الإسلام، مسيرات المطالبة بمحاكمة أو بإعدام هذا المثقف أو ذاك، مسيرات “الموت لأميركا”، فضلا عن الحسينيات التي أصبحت فرصة لتعميم الرؤية الغوغائية للعلاقات الإقليمية والدولية.

بهذا النحو بدأت تتشكل طينة جديدة من الزعماء الشعبويين المتاجرين بانفعالات الجموع. ومنذ تلك اللحظة الإيرانية بدأت عدوى الدهماء تجتاح، رويدا رويدا، سائر المجتمعات الإسلامية، تحت مسمى “الصحوة الإسلامية”.

إن العداء المعلن الذي يكنّه شيوخ الفتنة لإيران ليحجب أمام ضعاف البصر حالة “التماهي مع العدو”. برزت ظاهرة “التماهي مع العدو” منذ لحظة فتنة جهيمان العتيبي، وصولا إلى القاعدة، ثم تنظيم الدولة الإسلامية، وهي تنظيمات ساهمت إلى حدّ كبير في تغيير المزاج العام للشعوب الإسلامية. كل هذا بمباركة شيوخ الفتنة، والساسة الشعبويين، وقوى اقتصاد الريع والفساد المالي.

خلال السنوات القليلة الماضية خرجت العشرات من المظاهرات لنصرة الإسلام، أو نصرة الرّسول، أو المطالبة بتطبيق حدّ الردة، وذلك بنحو غير مسبوق داخل العديد من المجتمعات الإسلامية. بل، شهد الشهر الأخير من العام الماضي أحداثا تؤشر بالفعل على إمكانية العودة إلى عصر الدهماء، مقرونا بالتحديات الإرهابية التي قد تتفاقم، وقد يصعب تخطيها في المدى المنظور. ما يعني أن مفهوم الدولة نفسه سيصبح مهددا بالانهيار.

مؤخراً، شهد المجتمع الموريتاني، ذلك المجتمع الصحراوي الطيب والعاشق للشعر والجمال، حالة هياج غوغائي غير مسبوق، حيث أُقيمت في العاصمة الموريتانية نواكشوط مظاهرات شعبية عارمة تخللتها اعتصامات ووقفات احتجاجية قصد المطالبة بتنفيذ الإعدام الفوري في حق المدوّن الموريتاني الشاب ولد امخيطير، وذلك بعد أن صدر في حقه ابتدائيا الحكم بالإعدام عقب محاكمته بتهمة الإساءة إلى الإسلام.

ومؤخرا أيضا، اشتعلت مظاهرات أخرى في أقصى شرق العالم الإسلامي، العاصمة الإندونيسية جاكرتا، قصد المطالبة بمحاكمة حاكم جاكرتا، ودائما فإن التهمة هي نفس التهمة، الإساءة إلى الإسلام. وكل ما فعله الرجل أنه انتقد في خطاب انتخابي من يستغلون القرآن لمناهضة ولايته على جاكرتا باعتباره مسيحيّ الديانة.

في نفس الأثناء تمتلئ منتديات التواصل الاجتماعي بالعشرات من الحملات الغوغائية قصد إثارة النعرات الدينية والطائفية، بوسائل لا تتورّع عن استعمال الكذب والخداع وذلك بدعوى أن الحرب خدعة. لكن الأمر قد يؤدّي، عاجلا أو آجلا، إلى انهيار ممكنات الوعي السياسي داخل المجتمعات الإسلامية، مقابل العودة الكاسحة لأنماط الوعي ما قبل السياسي؛ العشائري والطائفي والمذهبي.

إن انهيار ممكنات الوعي السياسي سيكون بمثابة انهيار للوعي بالمصلحة العامة، وانهيار للقدرة على تحييد غرائز العنف والكراهية، وانهيار للقدرة على التدبير الجماعي للعيش المشترك. ما يفتح الباب في الأخير أمام فتنة الدهماء التي يحذرنا منها المتن الحديثي.

كاتب مغربي

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر