الاربعاء 26 يوليو/تموز 2017، العدد: 10703

الاربعاء 26 يوليو/تموز 2017، العدد: 10703

اغترب تتجدد

إن أعظم الشعر العربي كتب خلال الترحال وفي الأسفار القريبة والبعيدة، وما ارتبط أدب بالحركة في المكان كما ارتبط الشعر العربي. حتى لكأنّ كل رحلة قصيدة، وكل قصيدة رحلة.

العرب نوري الجراح [نُشر في 2017/03/12، العدد: 10569، ص(11)]

لطالما كان السفر عبر الأزمنة فضاء توسّعه أقدام الرحالة وعيون المسافرين في عالم يضيق ويتسع، حسب حركة الناس من مكان إلى آخر، في البرّ والبحر، وعبر الفضاء في مركبات جوية طوت بظهورها تاريخا مديدا من الأسفار والمغامرات البرية والبحرية، مفتتحة عهودا جديدة قرّبت في المسافات بين الأمكنة المتباعدة، واختصرت الزمن، وقللت من المخاطر التي طالما تعرّض لها الرحالة. ومن ثم بدلت، إلى حد بعيد، في مفهوم السفر والمسافر، وطبيعة الرحلات مسعى ومآلا.

منذ أقدم الأزمنة، وكما جاء في أقدم النصوص والسجلات، ارتبط السفر بالمشاق، فلا يذكر إلا مقرونا بسلسلة من المفردات من تعب، ووعثاء، ونصب، وضنك. ولكنه ظل مفردة أثيرة ارتبطت، أيضا، بالكشوف والتعارف والتواصل الحضاري بين الأفراد والجماعات، وبين الأقوام والأمم. فما يعود المسافر من سفر إلا وقد تغير فيه شيء، حتى إن بعض التجارب تطبع أصحابها فيحملون في أسمائهم، بقية حياتهم، أسماء تلك الأماكن.

فالمغربي هو ذلك الدمشقي الذي دأب على السفر إلى المغرب، والحلبي هو ذلك العراقي الذي اعتاد أن يشد الرحال إلى حلب، والبيروتي هو ذلك الأردني الذي تاجر ردحا من الزمن مع بيروت. والهندي تاجر الحرير الشامي الذي وطأ بقدميه أرض الهند وجازها بتجارته إلى السند، والمصري هو ذلك الفلسطيني الذي ارتبطت أسفاره بمصر. بل هناك عائلات عربية من آل الصيني، لأن جدا للعائلة سافر مرة إلى الصين.

لكنّ تأثيرا أعمق من الأسماء يطال العقل والمخيلة والبنية النفسية للمسافر، فكم من السفارات التي وفدت على بلدان تركت بعض أفرادها هناك ورجعت دونهم، وكم من المسافرين عادوا ومعهم علم جديد أو اختراع يغير في حياة المجتمعات التي وفدوا منها، وكم من المسافرين تسببوا لمجتمعاتهم بنهضة في حقل أو علم أو صناعة. فالسفر هو الحادث الأخطر في حياة البشر والأكثر تأثيرا في تطور المجتمعات، فهو بحث وهو تفاعل وهو ترجمة للذات إلى آخرها، وللآخر إلى ثقافتها. وها هو الشافعي يحض على السفر بأبيات شعر جريئة في معناها:

ما في المقامِ لذي عقلٍ وذي أدبِ

مِنْ رَاحَةٍ فَدعِ الأَوْطَانَ واغْتَرِبِ

سافر تجد عوضاً عمَّن تفارقهُ

وَانْصِبْ فَإنَّ لَذِيذَ الْعَيْشِ فِي النَّصَبِ.

ويضيف:

إني رأيت وقوف المـاء يفسده

إن ســال طاب وإن لم يجر لم يطب.

ويربط أبوتمام السفر بالفكرة الأكثر جوهرية وخطورة ألا وهي التجدد:

وطول مقام المرء بالحي مُخْلَق

لديباجتيه، فاغترب تتجدد.

***

والسَّفَرُ في اللغة هو قطع المسافة، وجمعه أسْفارٌ، ولكن له معان أخرى كلها ترتبط بفعل له قيمة الكشف وقيمة الإبداع والجمال.

والسَّفَرةُ الكَتَبَةُ واحدهم سَافِرٌ والسِّفْرُ الكِتاب وجَمعه أسْفارٌ، والسُّفْرةُ طعام المُسافر، ومنه سميت سفْرةً، والسَّفِيرُ هو الرسول للصلح، وجمعه سُفَراءٌ، فإن سَفَرَ شخص بين قوم فهو يقوم بسِفَارَةٍ ليصلح بينهم. وسَفَرَ الكتاب كتَبه، وسَفَرَتِ المرأةُ عن وجهها أي رمت خمارها فهي سَافِرٌ. والسَّافِرةُ المسافرون. وسافرَ مُسافَرةً وسِفَاراً. وأسْفَرَ الصبح أضاءَ. وأسْفَرَ وجه شخص حُسْناً أي أشرق وفيه جمال. وسفَرَتِ الشمسُ طلعَت. وإذا سَفَرَ العمامةَ عن رأْسه كَشَفها. ولو سَفَرَتِ الريحُ الغيمَ من السماء أجْلَتْه. فمفردة السفر ذات غنى كبير لما فيها من كشف وما فيها من نهوض وطلوع، وكلها تفضي إلى جمال في الخلق وجمال في المعرفة.

تخطيط: ساي سرحان

ولما كان الشعر العربي منذ أقدم الأزمنة الفن الأكثر تعبيرا عن الروح العربية، ويشغل حيزا مركزيا في النزوع الجمالي لدى العرب، فإن المغامرة الجمالية برمتها لدى العربيّ، لطالما ارتبطت بالسفر. فقد دأب العربي على شد الرحال في البيداء، وفي الحضر، فهو في حلّ وترحال دائمين، حتى لكأنه موكل بفضاء الله يذرعه. كما عبر ابن زريق البغدادي.

***

إن أعظم الشعر العربي كتب خلال الترحال وفي الأسفار القريبة والبعيدة، وما ارتبط أدب بالحركة في المكان كما ارتبط الشعر العربي. حتى لكأنّ كل رحلة قصيدة، وكل قصيدة رحلة.

غير أن السفر لم يكن دائما اختيارا حرّا، فمن المسافرين في التاريخ الشعري والأدبي العربي من اضطر إليه هربا من حاكم ظالم، أو من ظرف صعب، أو طلبا لأمر لا نوال له إلا في مكان آخر. ولم تكن خواتيم الأسفار سعيدة دائما، بل إن جلها كان ذا نهاية حزينة. فإذا بالأقدار المأساوية تحيق بالبعض من هؤلاء الشعراء والأدباء، لتصبح

قصة سفره هي ذروة مأساة حياته، فالقدر الذي فر منه في مكان إذا به يواجهه في مكان آخر. وهذا ابن زريق البغدادي الذي

غادر بغداد إلى الأندلس طلبا لمال يمكّنه من الاقتران بحبيبته، يعثرون عليه ميتا في خان في الأندلس وتحت رأسه قصيدته اليتيمة:

ما آبَ مِن سَفَرٍ إِلّا وَأَزعَجَهُ

رَأيُ إِلى سَفَرٍ بِالعَزمِ يَزمَعُهُ

كَأَنَّما هُوَ فِي حِلِّ وَمُرتحلٍ

مُوَكَّلٍ بِفَضاءِ اللَهِ يَذرَعُهُ

أستَودِعُ اللَهَ فِي بَغدادَ لِي قَمَراً

بِالكَرخِ مِن فَلَكِ الأَزرار مَطلَعُهُ

وَدَّعتُهُ وَبودّي لَو يُوَدِّعُنِي

صَفوَ الحَياةِ وَأَنّي لا أَودعُهُ.

وهذا مالك ابن الريب يرثي نفسه وقد نالت منه المنية وهو في سفر للغزو:

غريبٌ بعيدُ الدار ثاوٍ بقفزةٍ

يَدَ الدهر، معروفًا بأنْ لا تدانيا

أقلّبُ طرفي حول رحلي فلا أرى

به من عيون المُؤنساتِ مُراعيا

تقول ابنتي لمّا رأت طولَ رحلتي

سِفارُكَ هذا تاركي لا أبا ليا

لعمريْ لئن غالتْ خراسانُ هامتي

لقد كنتُ عن بابَي خراسان نائيا

فإن أنجُ من بابَي خراسان لا أعدْ

إليها وإن منَّيتُموني الأمانيا.

على أن صوت السفر في الأدب قد تجاوز القصيدة ليحلّ في كلّ جسد أدبي حديث كالقصة والشعر، وكذا في المسرح والسينما وفنون التشكيل، وكذلك في صور المصورين. فالسفر في عالمنا المعاصر بات أكبر ملهم للمبدعين.

***

في هذا العدد تفرد “الجديد” ملفّها الرئيسي ليوميات مستلة من دفاتر عدد من الكاتبات والكتّاب العرب الذين سافروا في مدن العالم، ودونوا يوميات أسفارهم. بعضهم غامر في الجوار القريب في آسيا والشمال الأفريقي، وبعضهم مضى نحو أوروبا، في حين مضى البعض الآخر بعيدا في الأميركيتين. شعراء وروائيون وكاتبات ينتمون إلى العراق وفلسطين والمغرب وسوريا، وفي يومياتهم شغف بالمكان وأهله. انعكس في صور شتى تلامحت فيها لحظات عامرة بالمشاعر والجمال والود الإنساني، واندهاش بالغريب وقد تجلى في وقائع وأخبار وحالات تنقلها سطور يومياتهم موشّحة بألوان تلك الأمكنة وخصوصياتها الدالة عليها.

على أن رحالة اليوم وكتّاب اليوميات في الأسفار لم يعودوا مجرد إخباريين يروون للمقيمين في الأوطان أخبار البلدان البعيدة وأقوامها المختلفين في عاداتهم وتقاليدهم واختلاف معاشهم، فقد أدت وسائل الاتصال الحديثة هذه المهام عنهم، وجعلتهم يتفرغون إلى خوض مغامرات أبعد صورة، وأعمق غورا.

***

بقي أن نزفر زفرة أليمة، ونحن نشير إلى سفر جماعي لشعوب بأكملها، هاربة من طوفانات الموت وقد أرسلها المستعمرون والطغاة في الأرض لتبتلع هؤلاء البشر وتمحوهم من الوجود، كما هو حال الشعب

الفلسطيني في 1948، والشعب اللبناني في 1975، والشعب العراقي في التسعينات ومطلع الألفية الثالثة، والشعب السّوري في السنوات الست المنقضية، وقد فاقت مآسي سفره الجماعي عن أرضه كل ما سبقها من مآسي البشر، فخروجه القسري جماعيا برّا وبحرا، وصور مصارعه التراجيدية كتبت للسفر تاريخا جديدا، ودونت في صحائف الآلام صفحات مبللة بالدم لا تمحى، تحمل الإدانة والعار، لكل من كان من صانعي أسبابها، على مرّ العصور.

شاعر من سوريا مقيم في لندن

نوري الجراح

:: مقالات أخرى لـ نوري الجراح

نوري الجراح

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر