الاحد 22 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10789

الاحد 22 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10789

الحاجة إلى التغيير

الرواية العراقية الجديدة فهي أكثر جرأة في تناول الموضوعات وأكثر تطرفاً في التجريب على صعيد المضامين وبالتالي هي أكثر إدهاشاً.

العرب محمد حياوي [نُشر في 2017/03/12، العدد: 10569، ص(11)]

الرواية العراقية ما قبل التغيير في العام 2003 غيرها عما هي عليه بعده، وفي الغالب كانت التجارب الروائية السابقة مهادنة وحذرة لا تكاد تبتعد كثيراً عن الواقعية التي طبعت أعمال فترة الستينات والسبعينات من القرن العشرين، إذ حاولت أن تعكس الواقع مثل مرآة مخلصة، لهذا فهي من وجهة نظري ركزت بالدرجة الأساس على الإمتاع أكثر من الإدهاش.

أما الرواية العراقية الجديدة فهي أكثر جرأة في تناول الموضوعات وأكثر تطرفاً في التجريب على صعيد المضامين وبالتالي هي أكثر إدهاشاً. وتحاول دائماً تطويع الخيال المطلق أو المفتوح وإخضاعه لمتطلبات الواقع المبطن.

أعتقد من الصعب الحديث عن تلك الرؤية تنظيرياً لكنّ السؤال هو هل أن الرواية الجديدة نجحت في إحداث منعطف ما في التكنيك السردي من وجهة نظر نقدية؟

كانت صدمتي كبيرة للغاية في الواقع عندما عدتُ إلى العراق بعد غربة استمرت لأكثر من عشرين سنة، فالأماكن التي كانت مرسومة في مخيلتي كما تركتها في تسعينات القرن الماضي وجدتها هرمة والمدينة كما لو كانت قد تعرضت لأمطار حمضية قصرت ألوانها المبهجة وطغى لون التراب عليها، كما تقلصت المساحات الخضراء واختفت الأشجار من الشوارع أو كادت، أما العلاقات الاجتماعية فقد تغيرت تماماً نتيجة لتخريب البنية الديمغرافية لمجتمع المدينة الذي كان قائماً على التكامل والتسامح وتقبل الآخر والإيثار.

لقد احتفظ الناس البسطاء بطيبتهم وعفويتهم إلى حد ما، لكنهم باتوا متوجسين من المستقبل ويغلب اليأس والحذر على سلوكياتهم كردّة فعل عفوية للشعور بعدم الاطمئنان والخوف واليأس بعد أن تعرض الإنسان العراقي إلى عملية انسحاق طاحنة وامتهنت كرامته منذ أيام الحصار الاقتصادي الظالم الذي فرض على العراق لأكثر من ثلاثة عشر عاماً، ثم جاء الاحتلال وما نجم عنه من موبقات سياسية ليقضي على البقية الباقية من ثقته بنفسه وببلده.

في الواقع مثل تلك المتغيرات العميقة والمؤذية لا يمكن تناولها في عمل روائي ما بسهولة، لأن الأمر يتطلب عينا راصدة ومتفحصة ودقيقة لاستلهامها وتجسيدها في الأعمال الإبداعية عموماً.

لقد حاول البعض جاهداً ابتكار معالجة مختلفة بواسطة تسليط الضوء على الشرائح الأكثر هشاشة في المجتمع، وبالتالي الأكثر تأثراً وانسحاقاً كالمرأة والطفل وشريحة المثقفين الذين فقدوا أرواحهم أو بوصلتهم في خضم الأحداث المتلاحقة التي لم تترك لهم فسحة للتأمل والتقاط الأنفاس.

وعلى الرغم من أن الإفراط في الإصدار الروائي ليس علامة عافية من حيث المبدأ، لكنني أرى الأمر من زاوية أخرى هي أن كثرة الكتابة الروائية، على علاّتها، قد تخلق نوعاً من الدربة لكن هذا لا يعني أن مئات الروايات العراقية التي صدرت بعد الاحتلال في العام 2003 مستوفية للشروط الفنية.

ولو تمكنا من تحديد عشرين أو ثلاثين رواية جيدة من بينها سيكون إنجازاً مهماً للرواية العراقية، ففي جميع المراحل ظلت الكتابة حاجة إنسانية قبل أن تكون إبداعية، وثمة الكثير من التفصيلات التي عاشها الناس تتطلب التدوين وإن بطرق مختلفة ومتباينة في المستوى، لكن ليس بالضرورة أن تكون روايات محكمة تعتمد الشكل الفني واللغة المتينة.

إنَّ الزمن كفيل بفرز الجيد من تلك التجارب في حال صمودها وبقائها شاخصة في أذهان القرّاء، ناهيك عن تحقيقها الانتشار الجيد والفحص النقدي الدقيق.

إن كمية ما صدر من روايات في فترة زمنية محدودة لا يمكن لأيّ نقد مواكبتها، لهذا يلجأ الكثير من النقّاد والمتابعين إلى التجارب التي تترك صدىً مناسباً في الغالب. لكن هذا لا يمنع من اكتشاف مواهب شابَّة جديدة دخلت عالم الرواية في العراق قد يكون لها شأن في السنوات المقبلة عندما تكتمل أدواتها وتنضج تجربتها.

كاتب من العراق

محمد حياوي

:: مقالات أخرى لـ محمد حياوي

محمد حياوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر