الاثنين 29 مايو/ايار 2017، العدد: 10647

الاثنين 29 مايو/ايار 2017، العدد: 10647

جدتي لا تحب الخميني

جدتي مسيسة جدا. تتابع كل أخبار العالم وتحرص على مواكبة كل التطورات، السياسية منها فقط، بدليل أنها تعرف أغلب رؤساء أميركا الذين تداولوا على قتل أحلام العرب.

العرب مصدق عبدالنبي [نُشر في 2017/03/12، العدد: 10569، ص(23)]

جدات العالم مميزات، لكن جدتي تبقى الأكثر طرافة في عيوني. فاقت جدتي الآن ثمانين حولا بقليل أو بكثير لست أعلم ولا يوجد من يعلم، فكلما سئلت عن عمرها قالت إنها ولدت عام الحرب الكبيرة. ولا أحد يعلم أيّ الحروب تقصد وما أكثرها في ثلاثينات وعشرينات القرن الماضي.

لجدتي طرائف لا يكفي الحيز لسردها، إلا أن آخر هاتف جمعني بها دفعني لكتابة هذه الأسطر.

لا تركن جدتي أبدا لسؤال جل الجدات، هل ستتزوج قريبا أو هل وجدت بنت حلال أو عن أحوال الصحة. ولا تشتكي أبدا من تدهور وضعها الصحي ككلّ العجائز.

جدتي مسيسة جدا. تتابع كل أخبار العالم وتحرص على مواكبة كل التطورات، السياسية منها فقط، بدليل أنها تعرف أغلب رؤساء أميركا الذين تداولوا على قتل أحلام العرب بدءا من بوش الأب وبوش الابن وبينهما كلينتون وصولا إلى أوباما وترامب.

إذا أحبت جدتي سياسيا أو قائدا أو زعيما فهي تحبه بعنف، وكذلك تغدق مشاعر الكره.

أحد أكبر التيارات كرها لدى جدتي هو التيار الإسلامي ومنهم الإخوان أو الإخوانجية، غير أن خلطا في التسميات شوّش أفكارها، إذ لم أسمع في حياتي أنها تتحدث عن الإخوانجية حيث تصر على تسميتهم بالخمينيين نسبة إلى خميني إيران وربما يتصل ذلك بتأثر إخوان تونس في فترة ما بثورة الخميني في إيران، أو باقتران الجماعتين في ذهنها.

عندما كنت صغيرا كانت تحدثني عن أعضاء في الاتجاه الإسلامي فتقول إن فلان سجن لأنه خميني أو فلان طرد من عمله لأنه يتبع أفكار الخمينيين وتلك أسباب كافية بالنسبة إليها للتضييق عليهم. لا أعرف أسباب نفور جدتي من هؤلاء لكني متأكد من أنها لم تحبّهم يوما.

قبل تركي لأقاصي الجنوب للالتحاق بمقاعد معهد الصحافة كانت آخر الكلمات التي ودّعتني بها جدتي وفي عينها الكثير من الصرامة “هناك الكثير من الخمينيين في تونس وفي الجامعة فاحرص على ألا تجالسهم أبدا”.

ليس الكره فقط ما يميز علاقة جدتي بالسياسيين إذ أنها تكنّ الكثير من الإعجاب والحب والتقدير وتحيط أبطالا لها بهالة من الوقار والقدسية.

تستمد جدتي معارفها الكبيرة من مذياع قديم أهدته لها ابنتها الكبرى المقيمة في فرنسا وهي تقاوم الآن كل المحاولات من قبل أحفادها لتغييره بجهاز أكثر حداثة أو بجهاز تلفزيون، فالأخبار تكتسب مصداقيتها فقط عندما ينقلها مذيع الراديو القديم الخاص بها.

مصدق عبدالنبي

:: مقالات أخرى لـ مصدق عبدالنبي

مصدق عبدالنبي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر