الاحد 22 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10789

الاحد 22 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10789

زينب تحب الثلج وتتمسك به أيضا

المشكلة تتمثل في غياب الموضوع، فتصوير نضج فتاة صغيرة وانتقالها من عالم الطفولة إلى أولى مراحل الشباب، ليس كافيا في حد ذاته لصنع فيلم جيد، ما لم يكن هناك موضوع أو قصة ما وراء هذه الشخصية، أو مغزى اجتماعي ما.

العرب أمير العمري [نُشر في 2017/03/15، العدد: 10572، ص(16)]

لم أصدق أن يفوز الفيلم التسجيلي الطويل “زينب تكره الثلج” للمخرجة التونسية كوثر بن هنية، بالجائزة الكبرى لمهرجان سينمائي كبير في العالم العربي، لكن هكذا تشاء لجان التحكيم، التي كثيرا ما ترى ما لا يراه أحد غيرها، وعلى أي حال فحديث المهرجانات والجوائز لا يعنينا هنا، فهو موضوع شائك.

لقد سبق أن كتبت عن الفيلم السابق لكوثر بن هنية، أي فيلمها الأول التسجيلي “شلاّط تونس”، واعتبرته عملا شديد التميز والصدق والطرافة، فقد كان له موضوع واضح ومحدد، مطروح على نطاق واسع، سواء في تونس أو خارج تونس، وهو يتعلق بسلسلة حوادث وقعت في العاصمة التونسية عام 2003، عندما قام شاب كان يركب دراجة نارية، بالاعتداء على 11 امرأة، كان يصيبهنّ في أردافهنّ بآلة حادة، كنوع من “العقاب” العنيف بسبب ارتدائهن سراويل يرى أنها ضيقة ومثيرة.

الفيلم الذي يستمد عنوانه من الكلمة الشعبية التونسية “شلاّط” أي الرجل الذي يقوم بتشريط جزء من جسد المرأة بسكين، كان يبحث في هذه الظاهرة التي تحولت في تونس إلى ما يشبه الأسطورة: من هو هذا “الشلاط”؟ ولماذا فعل ما فعل؟ وما هي دوافعه؟ وهل هو إنسان طبيعي أم مختل؟ هل هو متطرف أصولي أم شاب عادي لديه معتقداته الأخلاقية بحكم التربية والنشأة؟ هل يعاني من كبت ما؟ وأين ذهب بعد اعتداءاته؟ وهل يتصرف بمفرده أو ضمن جماعة أو تنظيم مثلا؟ وهل هو شخص واحد أم أشخاص عدة؟ وهل له عنوان وأسرة؟ وما الذي جرى له الآن؟ إلخ.

أخذت كوثر تبحث بصحبة مصور يحمل الكاميرا على كتفه، عن ذلك “الشلاّط” وما يحيط به، وكل من يمكن أن يكون قد عرفه أو احتك به، فأنتجت عملا ثريا جذابا، يتمتع بوحدة الموضوع وجدته وطرافته، وعلاقته المباشرة بالواقع الحالي، بالمسألة الدينية والسياسية، وبالنظرة الأخلاقية الاجتماعية السائدة، بل وبالإشكالية الثقافية عموما.

أما في فيلمها الثاني “زينب تكره الثلج” فتتابع كوثر خمس سنوات من حياة “زينب” التي تعبر من الطفولة إلى المراهقة، زينب التي تعيش مع أمها المطلقة، وترتبط الأم بعلاقة حب مع رجل تونسي يقيم في كندا، يأتي في عطلة إلى تونس، ثم تتطور العلاقة إلى الزواج، لتسافر زينب مع أمها إلى كندا، وهناك تتحدث وتلهو وتلعب مع ابنة زوج أمها، ونستمع إلى أحلام زينب، وكيف تشعر بعد أن أصبحت تقيم في كندا، ثم نرى بعد مرور السنين، كيف نضجت وأصبحت تتحدث عن الحب وعن العلاقة مع الآخر.. إلخ.

المشكلة هنا تتمثل في غياب الموضوع، فتصوير نضج فتاة صغيرة وانتقالها من عالم الطفولة إلى أولى مراحل الشباب، ليس كافيا في حد ذاته لصنع فيلم جيد، ما لم يكن هناك موضوع أو قصة ما وراء هذه الشخصية، أو مغزى اجتماعي ما.

هناك الكثير من أحاديث الفتاتين وثرثراتهما أمام الكاميرا، وأمام المرآة، في غرف النوم، فوق الفراش، فوق الثلج في الشتاء، مع الأم، بين المرأة والرجل، ثم يفشل الزواج الثاني للأم دون أن نعرف السبب، ثم نراها وقد خلعت الحجاب بعد أن كانت تقاوم الفكرة، وهي تقرر البقاء هناك، وثرثرة أخرى كثيرة عن الثورة وسخرية من الرئيس السابق بن علي الذي أصبح إحدى لعب الأطفال، وهو ما يجعل الفيلم مجرد عرض عشوائي مشتت.

ولكن المشكلة أن البعض يعتبر متابعة بضع سنوات من حياة شخص ما، معجزة سينمائية، والحقيقة أن الفضل في هذا يعود إلى مخترع الكاميرا، لا إلى المخرج.

لو كانت كوثر ركزت على فكرة تطور النظرة إلى الآخر وكيف تغيرت الأفكار التقليدية المسبقة لدى زينب نفسها، لأصبح لديها موضوع يثير الاهتمام، والغريب أيضا أن زينب التي كانت تكره الثلج في البداية، تنتهي إلى رفض مغادرة بلاد الثلج، بعد أن أصبحت تحب الثلج!

ناقد سينمائي من مصر

أمير العمري

:: مقالات أخرى لـ أمير العمري

أمير العمري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر