الخميس 30 مارس/اذار 2017، العدد: 10587

الخميس 30 مارس/اذار 2017، العدد: 10587

النقد الأدبي والتهميش

الرواية العراقية الراهنة سائرة في طريق معتم مجهول، والقسم الأكبر من كتّابها سادر في غيّه مسرف على نفسه متبع لهواه، وإنها منذ بداياتها، في الأغلب الأعم، رواية فقيرة على المستوى الفني والثيمي.

العرب عواد علي [نُشر في 2017/03/18، العدد: 10575، ص(15)]

في مقالين نشرهما ناقد أكاديمي عراقي، حديث العهد بالنقد، في صحيفة عربية، أولهما بعنوان “الرواية العراقية إلى أين؟”، وثانيهما بعنوان “”رواية المنفى العراقية: مراجعة نقدية”، تحامل على المنجز الروائي العراقي، الذي يربو عمره على قرن، بأحكام مزاجية تعميمية متعسفة يمكن القول إنها نسفت أو ألغت ذلك المنجز إلغاء كاملا، وجردته من أبسط ما يثبت مكانته الإبداعية، بعدما وضعته في سلّة واحدة، دون أن تقرأه قراءة شاملة. وعدّ الناقد ذلك مجرد ملاحظات مركّزة افترض فيها الإخلاص والاستناد إلى قراءات لا يتحرّج من وصفها بالمنهجية والانضباط المعرفي والبعد عن المجاملة والمحاباة وتطييب الخواطر. وقد ذكّرتني أحكامه بما أورده الناقد نجم عبدلله كاظم في إحدى دراساته، التي أشار فيها إلى أن أحد طلبة الماجستير في بغداد كتب رسالة عن جانب من جوانب الرواية العراقية “لم يرض فيها عن روائي عراقي واحد”.

من بين ما قاله صاحب المقالين، آنفي الذكر، إن الرواية العراقية الراهنة سائرة في طريق معتم مجهول، والقسم الأكبر من كتّابها سادر في غيّه مسرف على نفسه متبع لهواه، وإنها منذ بداياتها، في الأغلب الأعم، رواية فقيرة على المستوى الفني والثيمي. وبسبب قلة الوعي بالتنظير وضآلة الاستيعاب لحركة التاريخ، جاءت محاولات هؤلاء الكتّاب في تقليد الرواية العالمية والعربية أحيانا فاشلة وبائسة ومهلهلة، وإن أكثرهم يكتبون بشكل عفوي خال من المسؤولية، لكنه كافٍ ليفضح محدودية أدواتهم الفنية، ويكشف هشاشة ملكاتهم التعبيرية وعدم اكتمال تقنياتهم السردية وسذاجتها، وضعف ثقافتهم، وضحالة لغتهم وجدب خيالهم.

وإن الخراب الذي يعم، أو كاد، معظم النتاج الروائي العراقي الراهن يتمثّل، من بين مظاهر عديدة، في الإنشائية والسطحية والتبسيط الذي في غير موضعه، والتسرع والإسفاف والترهل والعبث والاستخفاف بحرفة الأدب وتعمد تجهيل القارئ والحط من شأنه! ويخلص الناقد إلى القول، وكأنه حكواتي، “واقع روايتنا، يا سادة يا كرام، بائس ومستقبلها المنظور محبط ولن ينفع المتحمسين لها وفق دواع مختلفة، التحجج بفوز رواية هنا وترشح أخرى إلى جائزة هناك، مهما علت قيمتها وكيفما كان مدى الثقة في نوعية لجانها”. ويؤاخذ الناقد مجمل الروائيين الذين يعيشون خارج العراق على أن المنفى لم يقدم لهم، بانفتاحه وخصوبة تربته الثقافية وتنوع أعراقه، أفكارا جديدة وأسلوب كتابة جديدا، ولم يغير كثيرا من رؤيتهم للعالم وتوجهاتهم الفكرية الأولى. ويعزو ذلك إلى عدم قدرتهم على التحرر من ثقافتهم السابقة، وعتق أرواحهم وذاكراتهم بشكل خاص من سطوة الماضي الساكن فيهم بعقده النفسية والتاريخية والسياسية. ويرى أن منْ حاول منهم مرة “كسر هذا الجمود الفني والفقر التخييلي لرواية المنفى، انتهت مغامرته إلى فشل كبير”.

هكذا ينعت الناقد، ببساطة، مشهدا روائيا تندرج في إطاره نتاجات أكثر من 20 كاتبا، بأنه مشهد “فقير فنيا وثيميا”، ” فاشل”، “بائس”، “مهلهل”، “عفوي”، “خال من المسؤولية”، “ساذج”، “ضعيف الثقافة”، “ضحل اللغة”، مجدب الخيال”، “إنشائي”، “مسطّح”، “بسيط”، “متسرع”، “مسف”، “مترهل”، “عابث”، “مستخف بحرفة الأدب”، وهي نعوت يندر أن تصدر عن ناقد انطباعي في كل تاريخ النقد الأدبي، فما بالك وصاحبها يعتقد أنه يتوخّى “المنهجية والانضباط المعرفي”!

وقد تزامن نشر هذه الأحكام المتعسفة مع مقال للصديق الروائي واسيني الأعرج بعنوان “ذاكرة الرواية العربية”، نُشر في الجريدة نفسها، اقترح فيه إيجاد موسوعة للرواية العربية، ذات نفس عالمي تعريفي.

وفي الوقت الذي ندعم فيه اقتراح الأعرج هذا بقوة، فإننا نستغرب تجاهله، أو تغافله عن المنجز الروائي العراقي، في سياق تعداده لأسماء روائيين عرب يمثلون جيلَ أو حقبةَ الترسيخ، وجيل الحساسية، وجيل المسارات الجديدة، مكتفيا بذكر اسم واحد فقط هو عبدالرحمن مجيد الربيعي، في حين يذكر أسماء روائيين عرب غير معروفين إلا على نطاق ضيق. ولا نفترض، بالطبع، أن الأعرج قد تعمد ذلك، بل نحسب أنه غير مطّلع بشكل كافٍ على المنجز الروائي العراقي، ولا على الدراسات المكتوبة عنه، وهو أمر لا يغفر له، حسب اعتقادنا، تجاهله لهذا المنجز.

كاتب عراقي

عواد علي

:: مقالات أخرى لـ عواد علي

عواد علي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر