الخميس 30 مارس/اذار 2017، العدد: 10587

الخميس 30 مارس/اذار 2017، العدد: 10587

مقاربة بصرية لنصب الحرية

إن جهل المسؤولين الإداريين وتواضع أذواقهم الفنية وإصرارهم على عدم الإصغاء لتوصيات الفنانين والمختصين هي التي أدت إلى تلك النتيجة المؤسفة.

العرب محمد حياوي [نُشر في 2017/03/19، العدد: 10576، ص(11)]

تتطلب الفنون البصرية عامّة والأعمال التشكيلية خاصة شروطا محدّدة لمعاينتها والتمتّع بجمالها وتأمل معانيها واستقراء إحالاتها، ليس أوّلها مكان العرض ودرجة الإضاءة وعمق القاعة التي تُعرض فيها تلك الأعمال، وليس آخرها درجة ارتفاع السقف وتوفر الفضاء المناسب.

لكن الأمر مع النُّصْب الكبيرة والتماثيل وأعمال الغرافيك الحائطية مختلف تماما، وما عدا الجودة التي ينبغي أن يتوفر عليها العمل الفني، ثمَّة الفضاء المهم والضروري لاكتمال عملية التلقي وتحقيق النَّصْب، وهي الغاية البصرية والجمالية التي أُنشئ من أجلها.

ونظرا لانتشار الفوضى وتبدد المعايير الفنية في العراق، فقد شهدت السنوات الأخيرة سلوكيات مؤذية تمثلت في الإساءة للكثير من النُّصْب القائمة أو تنفيذ أخرى جديدة لا تتوفر على الحدود الدنيا من المواصفات الفنية وفاقدة للهويَّة النحتية تماما، أذكر منها على سبيل المثال النَّصب الذي نُفذ للشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري في ساحة مقر اتحاد الأدباء العراقيين في منطقة الأندلس وغيره من النصُّب الأخرى الهزيلة، لا سيما في المحافظات الوسطى والجنوبية.

إن جهل المسؤولين الإداريين وتواضع أذواقهم الفنية وإصرارهم على عدم الإصغاء لتوصيات الفنانين والمختصين هي التي أدت إلى تلك النتيجة المؤسفة، ناهيك عن الإساءة للنصُّب القائمة ومحاولة طلائها بالأصباغ واختيار الألوان الفاقعة للجسور والمباني التي تخدش الذوق العام وتسيء للطابع المعماري لمدينة بغداد العريقة.

لكن ما أصاب نصب الحرية العملاق وجدارية فائق حسن هو الأكثر خطورة وقسوة في الحقيقة، بعد أن فقد الأول واحدا من أهم اشتراطاته ألا وهو الفضاء المحيط به والمساحة المفتوحة والخالية أمامه بما يتيح للرائي تأمل تفصيلاته، ومنذ العهد السابق قامت أمانة بغداد، تحت ضغط الازدحامات المرورية بإنشاء نفق ساحة التحرير الذي صادر ساحة التحرير تماما وقضى على الفضاء المفتوح أمام النَّصب وأجبر الناس على المرور عبر رصيف ضيق يقع تحت النصب الكبير مباشرة، بما لا يتيح لهم رؤية تفصيلاته الفنية من مسافة مناسبة، ثم صودر الفضاء المحسوب الذي تحته حين أنشأوا نافورة شوهاء للمياه من دون مراعاة لمقصد الارتفاع الدقيق الذي حدّده الفنان، ثمَّ جاء بعض الأميين من مسؤولي النظام الجديد فأزالوا النافورة ووضعوا محلها أقفاصا شوهاء تحيط مداخل النفق الذي تحت النَّصب فبدت كما لو كانت واجهات زنازين تخمش رؤيتها الروح، ثمَّ جاء بعض المنافقين وعلّقوا عليها بعض صور رجال الدين في إحالة رمزية رعناء تتناقض والفعل الجمالي والمدني للنَّصب الفريد الذي أصبح معلما بارزا من معالم مدينة بغداد ورمزا بصريا لها، شأنه في ذلك شأن برج إيفل بالنسبة إلى مدينة باريس وتمثال الحريَّة بالنسبة إلى مدينة نيويورك، ناهيك عن تسليط إنارة ملونة وساذجة عليه ليلا. ولعل حال جدارية الفنان الكبير فائق حسن في ساحة الطيران لا يختلف كثيرا عن حال نَّصب الحريَّة لجهة مصادر الفضاء المفتوح أمامها ومن حولها والتصاقها برصيف المارّة وغياب الإنارة عنها ليلا.

والحديث عن النُّصب يجرّنا للحديث عن نَّصب الجندي المجهول القديم الذي كان منتصبا في ساحة الفردوس قبل أن يقتلعه مسؤولو النظام السابق ويضعوا محله نصبا عملاقا لصدام حسين، أزيل لاحقا بعد العام 2003 وظلت الساحة المهمة التي تتوسط مدينة بغداد خالية ومشوهة، بينما عمد النظام السابق إلى بناء نَّصب عملاق للجندي المجهول في ساحة الاحتفالات الكبرى التي لم يعد يصلها أحد، ناهيك عن إحساس المرء بالتضاؤل أمام الحجم العملاق لترس خالد الرحال غير المبرر، بينما كان النَّصب القديم البسيط والحميم في ساحة الفردوس يطالع الناس يوميا ويتأمل المارة مراسم تبديل الحرس الوطني المهيبة التي تشعرهم بالاعتزاز بوطنهم والانتماء إليه.

كاتب من العراق

محمد حياوي

:: مقالات أخرى لـ محمد حياوي

محمد حياوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر