الثلاثاء 24 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10791

الثلاثاء 24 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10791

هيبة العلم لا هيبة الحكم

المدن العظيمة الخالدة لا تتوارى ساعة الشدة ولا تتحجّج بالسياسة تعذرا عند نخوتها، دون أن تكون في طباع أهلها مروءة وعنفوان وصوت هادر بالحق.

العرب صباح ناهي [نُشر في 2017/04/13، العدد: 10601، ص(24)]

المدن تواريخ ومناقب وحواضر، تسجل في جيدها دلالات مجدها، حين يكون المجد عنوانا لنتاجها، وهي مواريث ومتاحف ومكتبات وحكايات، فيها دلالات، أزقة بمسميات وشوارع بصفات، ومعاهد بدارسين ملأوا الدنيا وشغلوا الناس.

وحين تغني المدن تنتح عمالقة الطرب، وحين تبكي تسقط عروش، وحين تئّن تخرج ثائرين لا يشق لهم غبار، وحين تبني تنتج عمائر وزقورات وأبراجا، وحين تفرح تنتج زخارف وتصنع نوتات موسيقى، وحين تثور لا يقف في وجهها أحد.

وحين تُحتل تنزع لباس الحرير وتخرج لباس الشهادة، رجالها يمتشقون السيوف والبنادق وإن لم تملك سلاحا تقاتل بالعصي حينا وبجريد النخيل أحيانا، وتصنع من صدور رجالها سواتر لتحمي حرائرها، ويقينا إن المدن الخالدة لا يذلها غاز ولا يستبيحها طاغية، ولا يتمكن من خطب ودها إلا من يعرف سرّها. فالمدن أسرار وأعنة خيل وسباق مسافات طويلة، خلودها يتأتى من عطائها، ومن نقش حجرها ومن تراثها، تبقى واقفة حتى وإن اشتبكت عليها الأعصر، أو دكتها المدافع ورمت فوق رؤوسها حمم الطائرات.

المدن شارات وعلامات وقيم العلماء والفقهاء، ومنجز الزعماء، وحقول الفلاحين، وبيوت البسطاء، كل التفاصيل فيها من أكبر القصور لآخر البيوت الطينية في آخر مسالك الطرق القصية إليها.

ومن أعظم المدن بغداد، التي يجلها العلم بهيبته، يجد عابر سبيل فيها الأمن حين ينام، والطعام حين يجوع، ويحاط بمروءة أهلها الذين يرشدونه حيث يجد ضالته، ويمسحون عنه دمعة الباكي، ويستجيبون للشاكي وينصفون غيرهم كأنه منهم، وكما قال أمير الشعراء أحمد شوقي عن سيدة المدن الثكلى بغداد وأهلها “يطأطئ العلماء الهام إن نبسوا/ من هيبة العلم لا من هيبة الحكم، ويمطرون فما بالأَرض من محل/ ولا بمن بات فوق الأَرض من عدم.

هذا سرها، تلك المدينة الأمثولة التي انتُهبت في تاريخها مرات، وظلت شامخة تتمثل غزاتها وتلفظهم، وكأنها قُدت من حكمة، وشيّدت كمصيدة للغزاة.

المدن العظيمة الخالدة لا تتوارى ساعة الشدة ولا تتحجّج بالسياسة تعذرا عند نخوتها، دون أن تكون في طباع أهلها مروءة وعنفوان وصوت هادر بالحق، تقف كالسيف بوجه سلطان جائر، وكنسمة حين يأتي إليها مستجير، تغني للشجعان والمقاتلين، وتنشد للأحرار وتخزي العملاء والمارقين، وتبني مجدها من مواقف ساعات الشدائد.. وما أكثرها.

ثمة مدن عربية تستمد قيمتها ليس من تاريخها فحسب بل من رفعة علمها وفهمها ومنجزها، وتفاخر بأنها أول من أهدى ساعة واسطرلابا لملك فرنسا يوم كانت أوروبا كلها تغط في نومها. نعم.. هذا بات تاريخا ينبغي ألا نتعكز عليه، لكن كما يقول المثل الشعبي “إلي ما له أول ما له تالي”.

صباح ناهي

:: مقالات أخرى لـ صباح ناهي

صباح ناهي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر