الثلاثاء 25 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10613

الثلاثاء 25 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10613

فضاء روائي

إن عدداً من الثقافات، بل من المجتمعات، تتعايش في فضاء اجتماعي وجغرافي واحد. صحيح أن لكل ثقافة مهاجرة خصوصيتها، لكن وجود كل هذه الخصوصيات مجتمعةً، يجعلها في حوار دائم.

العرب حميد سعيد [نُشر في 2017/04/15، العدد: 10603، ص(16)]

في السنوات الأخيرة، ومنذ أن أقمت في الأردن، صرت أهرب في كل شتاء، من برد عمان إلى دفء الخليج العربي، وإلى عجمان تحديداً، حيث يعمل ابني في جامعتها، فأقيم عنده وأقضي الوقت معه، حتى صار أصحابي يسمون هذا الهروب من البرد رحلة الشتاء، والتي لا تزيد على شهرين ولا تقل عن شهر واحد.

إن رحلتي الشتوية إلى عجمان تتيح لي الاطلاع على الإمارات العربية المتحدة من أبوظبي حتى رأس الخيمة، مُجتَمَعاً وطبيعة وتجربة متميزة، حيث تتعدد جنسيات المقيمين فيها وتتعدد لغاتهم وأديانهم وسحناتهم وثقافاتهم وقيمهم الاجتماعية، ويجمعهم القانون والتفاهم وقيم العمل، فما أن يكون المرء في الشارع أو السوق أو المقهى، إلاّ واستمع إلى معظم اللهجات العربية، المغاربية منها والمشرقية.

كما يستمع إلى لغات، يعرفها أو لا يعرفها، وقد يستطيع تشخيصها أو لا يستطيع. إنه مجتمع مدن، بالمعنى العلمي الدقيق للمدينة، في كثافة السكان وتعدد مصادر الاقتصاد وتنوع العمل وتعدد الثقافات ووفرة الخدمات، وهي تشبه من جهة، وإلى حد ما، المدينة العربية في الماضي، في تعدد قوميات سكانها وثقافاتهم ولغاتهم، كما كانت عليه بغداد أو القاهرة أو دمشق أو فاس أو القيروان، كما تشبه المدينة الحديثة، من جهة ثانية، إذْ تعبر عن طابعها المديني بنشاطات اقتصادية وعلمية ومعمارية وفنية ورياضية وترفيهية، فتستقطب ملايين البشر، للعمل والاستثمار والدراسة والسياحة.

إن مجتمعاً مدينياً، بالصفات التي ذكرتها آنفاً، ما إن تقترب منه وتتأمله وتتعرف على خصائصه ومكوناته، حتى تخلص إلى فكرة أن هذا الفضاء حاضنة متميزة وصالحة للأعمال الروائية والدرامية، التي من أساسياتها خصوصية المكان وخصب مكوناته الاجتماعية.

ومما يسوغ هذه الفكرة ويزيدها ثراءً أن المجتمع المحلي يعيش في مجال حيوي، بين مقومات الماضي ومستجدات الحاضر، بين ما ورثه واعتاد عليه، وبين الجديد في الواقع والفكر، أضِفْ إلى ذلك ما يميز هذا الفضاء من تعدد بيئي، حيث البحر والبادية والريف، ولكل من هذه البيئات تأثيرها في الحاضر وتحولاته ومستجداته، كما لكل منها تأثرها بها في حدود ما ذكرنا من قبل.

ولو حاول أي روائي أو كاتب رواية، يتوفر على مقومات الكتابة السردية، وعياً وأداة، أو أي كاتب مسرح أو كاتب سيناريو محترف، أن يكتب نصاً مستوحياً فيه الحياة في هذه المدن، لوجد كل ما يسعفه في هذه الكتابة، فالأمر الذي أقول به لا يتعلق بالموضوع، وإنما بما يُغني الموضوع، من غنى الواقع وتشابكه وكثرة ما يمكن أن يتمخض عنه من أحداث وأفكار في آن.

إن عدداً من الثقافات، بل من المجتمعات، تتعايش في فضاء اجتماعي وجغرافي واحد. صحيح أن لكل ثقافة مهاجرة خصوصيتها، لكن وجود كل هذه الخصوصيات مجتمعةً، يجعلها في حوار دائم، ومهما كانت أسباب العزلة، إلاّ أنها لا تحول دون الحوار الثقافي والاجتماعي، وهذا ما يحدث فعلاً، ويمكن للمراقب الموضوعي الجاد أن يدركه بغير عسر، فالمدرسة، وهذا شأن الكثير من المدارس، تضم طلبة ينتمون إلى جنسيات عديدة وثقافات متباينة ولغات مختلفة، فهل يمكن منع التفاعل بين الطلبة، مثلاً؟

وما قلناه بشأن المدرسة نجده في جميع ميادين العمل، وفي المؤسسات الاقتصادية والجامعات والمنتديات والمصانع والمزارع والدوائر الرسمية، فيكون الفضاء العام مجالاً حيوياً نافياً للتعصب والتطرف والانغلاق، ويكون في الوقت ذاته فضاء منفتحاً على الحياة.

وفي مثل هذا الحال لا يمكن إنكار ما يمكن أن يظهر من سلبيات، لكنها سلبيات بقدر ما يمكن تجاوزها، يمكن الإفادة منها، بتنشيط الوعي النقدي والفكر الحيوي المنفتح.

وليس للكتابة الإبداعية، وبخاصة السردية منها والدرامية، ما ينضجها ويثريها أكثر مما يفعل مثل هذا الفضاء، بجميع صفاته ومكوناته.

كاتب عراقي

حميد سعيد

:: مقالات أخرى لـ حميد سعيد

حميد سعيد

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر