الثلاثاء 25 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10613

الثلاثاء 25 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10613

النص والإرهاب

لا وقت للهدنة فما زالت البلاد حبلى بالموت وهي تلدُ أطفالها القتلى كل حين والآباء الذين ولدتهم أفكار التعصب واستغلال السماء واحتلال الأرض.

العرب علي لفته سعيد [نُشر في 2017/04/16، العدد: 10604، ص(11)]

ما الذي يمكن أن تفعله التفجيرات والأعمال الإرهابية بالذاكرة العراقية من جهة والمخيالية للمنتج الثقافي من جهةٍ أخرى؟ ما الذي يمكن أن تتركه من أثرٍ على المخيّلة التي تحتضن في كلّ يومٍ عملاً إرهابياً ربما يخمد بعد حين، لكنه يولد من جديدٍ من خلال عمل إبداعي ذلك أن الذاكرة المنتجة ذاكرة بحرٍ تخفي دائما في أعماقها ما يمكن أن يطفو على السطح في أيّ لحظةٍ يجد فيها الصيّاد/المنتج طريقة لكي يدوّن؟

ولكن هل الإرهاب فعل قتلٍ ودمٍ أم هو فعل كلامٍ أيضا؟ هل الكلام الذي يصدر من أديبٍ هو ذات الكلام الذي يصدر من سياسيٍّ؟ هل يحق للسياسي ما لا يحقّ لغيره وصار مثل رجل الدين الذي هو بالضرورة مشارك في صناعة أزمة الحياة واختناقها إن كان لا يسير إلّا وفق معطياتٍ قاتلةٍ ومتعصّبةٍ ودموية؟

ربما هذه الأعمال لم تكن جديدةً على الذاكرة المخيالية في نوع جريمة القتل لأن الحروب هي أساس الإرهاب مهما كان مسوّغ الحرب ولكن الإرهاب الذي نعنيه كان قد بدأ مع أوّل انفجارٍ في بغداد مستهدفاً مبنى الأمم المتحدة.

وقلت إن لا وقفَ لهذه التفجيرات لأنها تأتي بعد إطلاق الكلام المميت من الأفواه. الصراع العراقي معتّقٌ ومعذّبٌ ومُميتُ وقاتلٌ ومملٌّ ومنتجٌ للأزمات ومتناسلٌ للوجوه ومتناسخٌ للعقول ومتشابهٌ للقتل ومتصاعدٌ للتصريحات.

كلّ يأتي بالنار ولا يبحث عن الثّلج أو حتى الماء البارد لأن الثّلج يجعله جامداً ومن يقف خلفه لا يريده إلّا شعلةً حارقةً مثل بركانٍ، فيتمّ تزويده بالوقود من حيث لا يدري لكي يبقى الفم نازفاً وقاذفاً وحاذفاً وراجفاً وليس خائفاً لأن لا شيء يمنعه من إيقاف هذا الموت على لسانه.

يموت الناس في ملعب كرة قدم فلا تخرج إلّا تصريحاتٍ يتيمةً تفرضها الحالة السياسية وأهمّها وأفضلها وأحسنها التنديد بالحالة ولا شيء بعدها حتى لمواساة أهل الضحايا. ولكن حين يتم اختطاف أو قتل من يعتقد البعض أنه مسؤولٌ عن التفجير ومخططٌ له وإن كانت الحالة مرفوضة ًإنسانياً ووطنياً لأن هناك قانوناً يجب أن يطبق، لكن ما يسترعي الانتباه هو إن الدنيا تنقلب وتتحوّل الألسن إلى براكين تقذف بالحمم التهميشية والاستهدافية والمقصودية التي يراد منها لفت انتباه العالم إلى أن هناك جهةً ما تستهدف جهةً أخرى بقتلها والقضاء عليها وأنها تطالب الحكومة بإيقاف هذا الاستهداف رغم أن عدد الضحايا لا يأتي بواحدٍ على الثلاثين من ضحايا أيّ تفجير انتحاري في مدينة الصدر أو ملعب الإسكندرية أو الكرادة.

وعلى الطرف الآخر لا نجد من ألسن النائمين سوى الوقوف على عملية الدفاع عمّا خارج الحدود وكأن الانتماء إلى البلاد هو أن الانتباه إلى ما يقوله الآخر لكي تذكّر ما يمكن أن يجعله مستفزاً.

لا وقت للهدنة فما زالت البلاد حبلى بالموت وهي تلدُ أطفالها القتلى كل حين والآباء الذين ولدتهم أفكار التعصب واستغلال السماء واحتلال الأرض هم يقودون الموت إلى مخادع الناس لكي يستمر الانتباه إلى الكلام وننسى أن القتلة يخطّطون لاغتيال العراق.

إن الكلام المتعصّب هو تفجيرٌ من نوعٍ آخر أكثر فتكاً لأنه هو من يغسل العقول. فالمتحدّث واحدٌ والمتعّصبون الجهلة الذين ينساقون وراء كلامه بالعشرات إن لم نقل بالمئات وهو ما حصل في العراق بعد عام 2003 حين تغيرت الثقافة الكلامية من ثقافية معارضة سلطة إلى معارضة قتلٍ للوصول إلى السلطة أو الحفاظ عليها.

إن ثقافة الإرهاب لا تعني من غُسل عقله وتحوّل إلى قاتلٍ، بل هو من يساهم في عملية غسل العقول. لذا فإن التأثير وجعل بعض هذه التناقضات مخيالية قادمةً لنصوصٍ أدبية ربما يكون من الخطورة الإمساك بتفاصيلها، لذا نحتاج أديباً ينظّف ذاكرته وخياله من إرهاب الكلام السياسي والديني معاً وجعل نصّه خاضعاً للفن في ذكر التفاصيل قبل أن يتحوّل النصّ ذاته إلى نصٍّ إرهابي.

كاتب من العراق

علي لفته سعيد

:: مقالات أخرى لـ علي لفته سعيد

علي لفته سعيد

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر