الثلاثاء 12 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10840

الثلاثاء 12 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10840

المسرح والثقافة الذكورية

تذهب طوسون إلى أن المسرح في ذلك العصر يبرز مفاهيم تتعلق بالهوية الجنسية وتدور، في مجملها، حول ضرورة واضحة ومتزايدة لاستبعاد المرأة من الفرص والإمكانيات التي يوفّرها نظام رأسمالي آخذ في التبلور.

العرب عواد علي [نُشر في 2017/04/16، العدد: 10604، ص(15)]

في مقارباته النقدية للنتاجات الأدبية المكتوبة بأقلام مؤلفين رجال من عصور مختلفة، اتجه النقد النسوي إلى استكشاف صورة المرأة، كما تظهر بشكل خفيّ أو علنيّ، في تلك النتاجات الخاضعة للثقافة الذكورية المتأصلة في الوجدان. وقد توصلت تلك المقاربات إلى اكتشاف نماذج من القهر التاريخي والمعاصر، وأنماط من التهميش التي تعرضت وتتعرض لها المرأة.

من بين الناقدات الغربيات اللواتي برزن في هذا المجال: ماري إلمان، توريل موي، مونيك ويتنج، جوزفين دونوفان، إلين شوالتر، كيت ميللت، إلين كيس، وجوديث طوسون. وقد ركّزت الأخيرة، متأثرة بمنهج دريدا، على تفكيك مجموعة نصوص كلاسيكية، من المسرحين الإغريقي والإنكليزي في عصر النهضة، فخلصت إلى أن كلا المسرحين يعطي أصواتا قوية للشخصيات النسائية، لكنها أصوات تندرج، بطرق مختلفة، ضمن عالم الرجال.

فقد كان يُنظر إلى النساء بعين الشك، حيث كل ما يجري تقديمه على المسرح هو إخراس لصوت المرأة الحقيقي، أو في أفضل تقدير خضوعها الإرادي للمعايير الاجتماعية التي يضعها الرجال. فالدراما الإغريقية واضحة تماما في هذا الشأن: إنها تكتب العالم بطريقة سلطوية تركز على أقوى رابطة ممكنة بين “السبب” و”النتيجة”، أما دراما عصر النهضة فهي تبدو أكثر اضطرابا وغموضا، لكنها تبني شخصيات نسائية تتحدى سلطة الرجل، ومن ثم يجري عقابها، أو تخضع لتلك السلطة، وتصدّق على ما تقوله.

من النصوص اليونانية التي تركز عليها طوسون ثلاثة هي: (هيبوليتن، أجاممنون، وأوريست) ليوربيدس، فتستوقفها في الأول شخصية “فيدرا” التي ترى الانتحار طريقا وحيدا لحماية شرف أسرة زوجها (ومن ثم حفظ كرامتها وقيمها)، وذلك لأنها وقعت في غرام ابن زوجها. وليس المهم هنا هو شخصية “فيدرا” في حدّ ذاتها، بل اختيار حبكة تجد فيها تشريعا لخضوع النساء للقيم الأبوية (الذكورية)، ومن ثم فإن المسرحية لا تهتم، في نهايتها، سوى بالمصالحة بين الأب والابن.

كان ينظر إلى النساء بعين الشك، حيث كل ما يجري تقديمه على المسرح هو إخراس لصوت المرأة الحقيقي، أو في أفضل تقدير خضوعها الإرادي للمعايير الاجتماعية

أما “فيدرا” فتُنسى وتنتهي المسرحية كما بدأت بحضور الإلهتين (أرتميس، وافروديت)، اللتين تتنازعان على المفضّلين لديهما من الذكور. وفي “أجاممنون” يتكرر الأمر مع شخصية “كليتمنسترا” إذ توضع في موقف يرتبط بالخيانة الزوجية والخراب لأنها اتخذت لها عشيقا في أثناء غياب زوجها الملك لمحاربة الطرواديين من أجل شرف المدينة (أثينا) التي يحكمها، لكنه في الوقت ذاته ضحّى بابنته “أفجينيا”، وأسر “كاساندرا” واغتصبها في طريق عودته إلى بلاده! أما مسرحية “أوريست” فترى طوسون أن الحدث الدرامي فيها ينتهي إلى تثبيت مبدأ أهمية حياة الرجل بالنسبة إلى المرأة، ويجري الوصول إلى هذه النتيجة من خلال الحتمية التي تميز مسار الحبكة.

تستنتج طوسون من خلال تلك النصوص الثلاثة أن الطاقة الجنسية للأنثى تعدّ خطرا، ليس على شرف الأسرة الإغريقية فحسب، بل على أمن الدولة والوجود الجماعي كله.

ولذلك كان لا بد من إخضاع هذه الطاقة وتنظيمها حتى تبدو جزءا من نظام ذكوري طبيعي. وعلى العكس من ذلك تُطرح الطاقة الجنسية للذكر بوصفها شيئا ضروريا وطبيعيا، ويمكن توظيفها توظيفا مشروعا لدعم شرف الرجل وكرامته، وخدمة مصالح الدولة.

وعلى هذا الأساس نشبت حرب طروادة في مجملها (كما صوّرتها الملاحم والمسرحيات الإغريقية) لاسترجاع زوجة رجل خطفها رجل غريب (ترى هل كانت ستنشب هذه الحرب لو أن باريس خطف زوجة رجل من عامة الشعب بدلا من هيلين زوجة شقيق الملك؟).

من خلال قراءتها لنصوص عصر النهضة الإنكليزي، مثل: (المأساة الإسبانية، العاصفة، يا للأسف إنها عاهرة، الجني، ماكبث، العين بالعين، تاجر البندقية، حكاية الشتاء، وسيدة من المدينة)، وغيرها من نصوص مارلو، ميدلتون، وفورد، تذهب طوسون إلى أن المسرح في ذلك العصر يبرز مفاهيم تتعلق بالهوية الجنسية وتدور، في مجملها، حول ضرورة واضحة ومتزايدة لاستبعاد المرأة من الفرص والإمكانيات التي يوفّرها نظام رأسمالي آخذ في التبلور.

فالشخصيات النسائية التي يمكنها، بل هي عادة ما ترمز إلى الطهارة، تمثّل عنصر الحفاظ على النظام الأبويّ، لذا تجد طوسون أن الطهارة الأنثوية تقع على رأس قائمة الموضوعات التي تتناولها مسرحيات ذلك العصر.

وعلى الرغم من وجود شخصيات نسائية تؤدي أدوارا قوية وفعّالة في الحبكات الدرامية لتلك المسرحيات، فإن معظم هذه الشخصيات التي تحرز شيئا ما تواجه نوعا من فقدان الأنوثة، وتضرب مثالا على ذلك بالسيدة “ماكبث” التي تبدو أقوى من زوجها، لكنّها تفقد أنوثتها.

أما بطلات الكوميديات الشكسبيرية، اللائي يتميزن بذكاء ونشاط يفوق ذكاء عشاقهن ونشاطهم، فإنهن يكتسبن فعاليتهن فقط عندما يتخفّين في زيّ الرّجال.

ويُعد هذا التخفي (الذي هو علامة لتنازل المرأة عن أنوثتها) مقدمة تؤدي- يا للمفارقة- إلى زواج هذه الشخصيات النسائية من الرجال الذين وقع اختيارهن عليهم. أما إذا كانت هذه الشخصيات “شريرة” فهي تمثل الميل إلى الشهوة وعدم الصلاح والقتل، وفي النهاية “تدمير الذات”.

ولا ترى طوسون أن هذه الشخصيات تجسد الطبيعة الإنسانية الجوهرية، بل تمثل جوانب معينة في علاقات السلطة، ومحاولات تقنين هذه العلاقات في صورة أدوار تتعلق بالهوية الجنسية في عالم اقتصادي يتغير بسرعة.

إن مقاربة نقدية مثل هذه المقاربة التشريحية، وغيرها من المقاربات التي تنهج المنهج ذاته، تدفعنا إلى التساؤل عما إذا كان خطابنا النقدي المسرحي اليوم أحوج ما يكون أم لا إلى أن يعيد قراءة الكمّ الوفير من النصوص المسرحية التي كتبها المؤلفون العرب خلال قرن من الزمن على وفق رؤية لا تكتفي بالوقوف على البنى السطحية تلك النصوص، بل تستنطق كوامنها، وتفكك النسق الثقافي والأيديولوجي الذي يوجهها، بحثا عن الصور النمطية التي أظهرت بها المرأة في إطار ثقافتنا الذكورية المهيمنة.

كاتب من العراق

عواد علي

:: مقالات أخرى لـ عواد علي

عواد علي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر